فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ١٦٢

القرآن وغيره من الكتب المنزلة، لما علم امرؤ حرفا واحدا من العلم، ولانعلم أحدا علم علما من غير الكتب المنزلة، فلو كان علم الله ما يحاط بشيء منه لما ورد الاستثناء في قوله تعالى: {وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّن عِلمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ، وقال في موضع آخر: (وَالرَّاسِخُونَ فِي العِلمِ) (19)، وغير ذلك من الأدلة

الحقيقية أعرضت عنها خوف الاطالة.

•

فلما ثبت أن القرآن من علم الله عز وجل ليتعلموا منه، ومادبته ليتأدبوا به علمنا أن الله عز وجل لم يزل عالما، ولم يزل متكلما، وأن علمه وكلامه من صفاته الذاتية وانهما ليسا بمحدثين، مع عدم الجوارح من الكلام والعلم والسمع والبصر وأنه حي بلا روح - عز وجل - له الحمد وله الملك لا اله الا هو رب العرش العظيم. فلما علمنا أن علمه وكلامه من صفاته الذاتية، وأنه لم يزل الموصوف بها، علمنا أنهما ليسا بمخلوقين، فمن قال غير ذلك فعليه اقامة الدليل، فان احتج محتج بأن قال: فاذا أثبتم ذلك فقد أثبتم كلام الله قديما مع الله، فاذا تحققتم ذلك فقد أثبتم اثنين قديمين لم يزالا. قلنا: ليس الأمر كذلك، لأن كلام الله من صفاته الذاتية، وصفاته الذاتية لم تزل، والله لم يزل الموصوف بها، لا هي هو، ولا هو غيرها، كما أن علمه من صفاته الذاتية، لا هو هو، ولا هو غيره، كذلك يدرك الأشياء بلا اخبار، ويراها بلا حدقة ولا الحاظ، ويسمع الأصوات بلا اصغاء ليست هذه الصفات هي هو، ولا هو غيرها، بل تلك صفات ذاتية لم تزل والله لم يزل الموصوف بها، كما أن الانسان يعلم ويسمع ويبصر ويتكلم لا يسمى هو انسانا وعلمه انسانا انسانا وبصره وسمعه انسانا، بل يسمى انسانا واحدا، وهذه الصفات تسمى غيره، بل هو الموصوف بها، فلما بطل ذلك علمنا أن صفات الله الذاتية لاتسمى هي هو ولا هو غيرها تعالى أن يوصف بصفات المخلوقين، وأن يشبه بهم، أو أن يوصف بالصفات المذمومة علوا كبيرا.

فصل

وان قلتم: ان كلام الله مخلوق من قوله تعالى: {إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآناً عَرَبيّا (20)، والجعل من الله لا يكون الا بمعنى الخلق من قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ) (21)، وأمثاله، وكذلك قوله تعالى قصة عن ابراهيم عليه السلام: {رَبِّ اجْعَل هَذَا البَلَدَ أَمِنا (22)، أي أخلق الأمر في

(19) سورة آل عمران: 7. (21) سورة الأنبياء: 31.

(20) سورة الزخرف: 3

(22) سورة ابراهيم: 35.

- 162 -