الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٣هذا البلد، وفي موضع آخر: {إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاما) (23)، معناه خالق فيك صفة الامامة، وفي موضع: {رَبِّ اجْعَلنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ) (24)، معناه اخلق لي الاستطاعة لاقامة الصلاة، فالجعل من الله لايكون الا بمعنى الخلق، وأما اذا كان من الخليقة فهو من التصيير والتسمية وغيره، وقد قال الله عز وجل: (وَجَعَلُوا المَلائِكَةَ) (25)، (وَيَجْعَلُونَ لِلهِ البَنَاتِ) (26)، أي يسمون. ومن التصيير قوله تعالى: (وَلَا تَجْعَلُوا اللهَ عُرضَةٌ لِإِيمَانِكُم (27)، وغير ذلك من الوجوه جمة. قلنا له: الآن يعصف بعواصف حججنا قتام أصولكم، وينسف برواجف برهاننا شواهق (28) محصولكم، وتزلزل بصواعق ايضاحنا دكادك أوصالكم، ويطسم بجهام جهدنا مرابع أصالكم، فالصواب في الجعل من الله غير ما فسرتموه، والحق غير ما أردتموه فمعنى قوله لابراهيم عليه السلام: إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً)، من قول الحاكم لحكامه اني جعلتكم حكاما، أي صيرتكم حكاما تحكون بين الناس بالقسط لا غير ذلك، وأما قولك أن ابراهيم عليه السلام سأل ربه أن يخلق له الأمر في هذا البلد، فالأمر مخلوق من قبل الرسول عليه الصلاة والسلام فلا يحتاج الى الخلق ثانية، لأن الأمن ضد الخوف، وقد خلقها الله تعالى قبل سؤال ابراهيم عليه السلام، ولكن المعنى في ذلك سأل ربه أن يصير البيت ذا أمن، أو أمناء أهله، فلا نعلم غير ذلك. وأما قولكم ان ابراهيم عليه السلام سأل ربه أن يخلق له استطاعة لاقامة الصلاة، أليس قد خلقه الله يقوم ويقعد؟ ويقرأ ويعقل؟ فهذه من آلات الاستطاعة لاقامة الصلاة فيه مخلوقة من قبل سؤاله، بل سال أن يصيره مستطيعا لاقامة الصلاة ويخفف عليه تأديتها.
وان قلتم أن الجعل من الله لا يكون الا بمعنى الخلق، فما قولكم قوله تعالى: ﴿وَجَعَلنَاهُم أَئِمَّةٌ يَدعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ (29)؟ فان قلتم: ان الجعل هنا بمعنى الخلق، فقد خالفتم التأويل وضللتم عن سواء السبيل، لأنكم اذا أثبتم
(23) سورة البقرة: 124 (24) سورة ابراهيم: 40. (25) سورة الزخرف: 19
(26) سورة النحل: 57.
(27) سورة البقرة: 224
•
(28) شواهق: العوالي والمرتفع من الشيء. والتعبير في النص مجازي.
(29) سورة القصص: 41.
- 163 -