الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٤ذلك، فقد وصفتم الله عز وجل أنه يجبر على المعاصي ويعذب عليها، ولكان ردا لقوله عز وجل: فطرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا (30)، ومعناه خلقة الله التي خلق الناس عليها وهو الدين الاسلامي، ولكان ردا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه (31)، وقد ازددنا يقينا بما قاله بقوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي أَدَمَ مِن ظُهُورِهِم ذُرِّيَّتَهُم وَأَشْهَدَهُم عَلَى أَنفُسِهِم أَلَستُ بِرَبِّكُم قَالُوا بَلَى شَهِدنَا أَن تَقُولُوا يَومَ القِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَن هَذَا غَافِلِينَ أَو تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ أَبَاؤُنَا مِن قَبلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةَ مِن بَعدِهِم أَنتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ المُبْطِلُونَ (32)، فلما صح أن كل مولود على الفطرة بهذه الدلالة علمنا أن المعصية والسيرة الشيطانية من ذات نفس الفاعل، وهي من الله خلق ومن العباد كسب وان قولك أيها المحتج أن الجعل بمعنى الخلق في هذه الآية باطل، لأن الله عز وجل ذكر قصتهم من قبل وذكرهم بما يفعلونه لقوله عز وجل عنهم: {وَقَالَ فِرْعَونُ يَاأَيُّهَا الْمَلَا مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِله غيري) (33) الآية، ثم وصفه وجنوده بعد ذلك بالاستكبار لقوله عز وجل: ﴿وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ﴾ (34)، فلما كفروا واستكبروا وعتوا عتوا كبيرا، صيرهم الله أئمة يدعون الى النار من قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُم﴾ (35)، فان أثبت قولك هذا، فقد ضللت كضلال القدرية والمرجئة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «القدرية مجوس هذه الأمة والمرجئة يهود هذه الأمة (36)، وورد عنه عليه السلام أنه قال: «طائفتان من أمتي لاتنالهما شفاعتي وهو (37) ملعونتان على لسان سبعين نبيا قبلي وهم المرجئة والقدرية» (38) وان قلتم: ان الجعل هاهنا بمعنى التصيير، وكذلك في قوله تعالى: فَجَعَلْنَا عَالِيهَا سَافِلَهَا (39)، فما بالكم أن تقولوا ذلك في قوله عز وجل:
(30) سورة الروم: 30.
(31) أخرجه البخاري وأبو داود وغيرهما. أنظر مجمع الزوائد 218/ 7.
(32) سورة الأعراف: 172 - 173.
(33) سورة القصص: 38
(34) سورة القصص: 39.
(35) سورة الصف: 5.
(36) أخرجه أبو داود. انظر مجمع الزوائد 205/ 7.
(37) لعل الصواب: وهما
(38) أخرجه بالمعنى الطبراني في الأوسط. انظر مجمع الزوائد 205/ 7.
(39) سورة الحجر: 74.
- 164 -