الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٥إِنَّا جَعَلنَاهُ قُرآناً عَرَبِيّاً (40)، أي صيرناه، يقرأ بالعربية كما صيرنا
التوراة والانجيل يقرآن بالأعجمية
فان قلتم لا يكون الجعل في هذه الآية الا بمعنى التصيير، فقد أبطلتم قولكم في أن القرآن مخلوق بما ورد في هذه الآية، ودخلتم مع ذلك في قول أصدق القائلين: (يُخرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيديهم وايدي المؤمنين) (41)، فارتدعوا عن ذلك أيها المجادلون عما جادلتم به. وان قلتم: ان القرآن مخلوق من قوله عز وجل:: والله خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ (42)، والقرآن شيء، قلنا في ذلك الأشياء مخلوقة، الا أن كل شيء وقع عليه شيء لأن الباري عز وجل شيء لقوله عز وجل: ﴿قُل أَيُّ شَيْءٍ أَكبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ﴾ (43)، فالباري عز وجل ليس بمخلوق، وأسماؤه وصفاته الذاتية ليست بمخلوقة. وكذلك ازددنا يقينا وبرهانا بان كل شيء لاتعم جميع الأشياء، من قوله تعالى في الملكة بلقيس: ﴿وَأُوتِيَت مِن كُلِّ شَيْءٍ) (44). فلو كان يقع على كل شيء العموم لكان وقع هاهنا، لأن ملك سليمان بن داود عليه السلام أعظم من ملكها وليتها قد أتته (45)، وكذلك قال الله عز وجل في صفة الريح المسلطة على عاد: وتُدمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمرِ رَبِّهَا﴾ (46)، فلو
يقع بكل شيء العموم لكانت السماوات والأرضون والملائكة شيئا يقع عليه
التدمير في ذلك اليوم.
فان قال: لايجوز ذلك
•
قلنا له: كذلك استدللنا أن «كُلَّ شَيء» لاتعم الأشياء، فلما ثبت أن كل شيء لاتعم جميع الأشياء علمنا أن كلام الله عز وجل من صفاته الذاتية، وصفاته الذاتية لم تزل، والله لم يزل الموصوف بها لا هي هو، ولاهو غيرها. تعالى الله عن حدوث صفاته الذاتية علوا كبيرا.
فصل
وان احتججتم أن كلام الله صفة فعل، وأنه خلق من خلقه، أو أنه خلق كلاماته، تكلم بالكلام المعقول، فاحتججتم بقوله تعالى: {إِنَّمَا قَولُنَا لِشَيءٍ إِذَا
(40) سورة الزخرف: 3
(42) سورة الرعد: 16 سورة الزمر: 62
(43) سورة الأنعام: 19 (44) سورة النمل: 23. (45) لعل الصواب: أوتيته (46) سورة الأحقاف: 25
(41) سورة الحشر: 2.
-170 -