الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ١٦٦أَرَدْنَاهُ أَن تَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} (47)، فعلمتم أنه يقول للأشياء «كوني» بالكلام المعقول على صفتكم هذه، فكانت بقوله لها «كوني»، فكان قوله «كُن» مخلوقا. تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، انما يلفظ بالكلام المعقول من كان ذا لسان وشفتين وقلب، وجوف والباري عز وجل ليس محتاجا الى هذه الجوارح، وهو منزه عنها لأن المحتاج ليس باله عظيم على كل شيء قدير، فلو خلق مابه تكلم، وهي كلمة «كن»، لكان مستغنيا بكلامه على خلق الأشياء، تعالى الله عن أن يستعين بشيء على شيء علوا كبيرا. وان قلتم ان «كن» مخلوق تكون به الأشياء لكان «كن قبلها، ثم كن تكن»، «وكن تكن» تسلسلا إلى غير غاية ولانهاية، وانما «كن» ارادة الهية ومشيئة ربانية، وهي اخبار عن مشيئة الله عز وجل، فاذا أراد الله أن يخلق شيئا كونه، فكان لا يقول له كن فيكون، يقول: اذ ليس هنالك كلام من الباريء عز وجل وانما أخبر الله عز وجل عن سرعة كون المراد اذا شاء كونه، لا أنه يقول له: كن فيكون بقول الله تعالى. تعالى الله أن يستعين على خلق الأشياء بشيء علوا
كبيرا.
فصل
وإن قلتم ان القرآن مخلوق من قوله عز وجل: {مَايَاتِيهِم مِّن ذكرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحدثِ (48)، والذكر هو القرآن، وقد وصفه الله عز وجل محدثا، والمحدث لا يكون الا مخلوقا. قلنا لكم: قد جئناكم في هذه بحجج تقسم قرى (49) تأويلكم، وخصومات تحسم سبب تسجيلكم، وعزائم تجذب أرواح تقولكم، وحوائج تجتاح أوصاب تقللكم. فالمعنى هاهنا غير ماتاولتموه، والصواب في هذه غير ما نقلتموه فالذكر المواعظ، أو طائفة من القرآن، أو محمد عليه الصلاة والسلام ومعنى محدث مجدد انزاله لتقرير الذكر أو تنويع التقرير. ومعنى حدوثه انزاله من اللوح المحفوظ جملة في ليلة القدر بايدي السفرة موضوعا ببيت العزة على ماقيل ثم نزل به جبريل عليه السلام على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم شيئا بعد شيء نحو ما في عشرين سنة أو ثلاث وعشرين سنة على ماقيل، وانما أحدثت تلاوته وحروفه المركبة، وهي ترجمان للمعاني الالهية، ليعلم بذلك النبي محمد صلى الله عليه وسلم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قبل نزول القرآن العظيم لم يعرف شيئا من العلوم الربانية، والمعاني الالهية
(47) سورة النحل: 40.
(48) سورة الأنبياء: 2.
(49) قرى: كذا في الأصل، ولعله: عرى.
"
- 166 -