الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٠٠سطواته، واعتصاما به من هنات عجائم (19) نقماته.
هذا، وقد رثت حبالهم وانهدت جبالهم، وقصت قوادمهم واجتثت شفاههم، لما دارت عليه دوائر الغلابية، ومشائم صدائمة الغواشية (20)، والله الأمر والقضاء، وبه لياذا من سؤاله الرضا، بانزواء العلم عنهم وانطوائه، بتودع حملته وانقباضها واستيلاء الجهلة واقبالها، فالتبك الأمر وأحتلك، فصاروا في العلاجم والطلائم يختبطون، وفي مهامه الغي والردى يتحيرون، قبحه الله من عصر ما أسمجه، ومن دهر ما أخبثه، فمخادنته مخالبة، ومسايرته معاطبة، فهو أبدا مبني على الاعوجاج، وماء بحره أجاج، وعبوره تجون (21)، وصروفه شجون.
وحاصله: أنه لم يزل بنا أهل ديار بني مصعب (22). ماكرا ناكرا عابسا بائسا، ماضي الصوارم في أجسادنا، وأسعر نار الاكتئاب في أكبادنا، حتى استهتك سترنا واستفشى شرنا واستنقد الأسد، واستدمث الصلد (23)،
واستمكن المناوي سؤله من المطلوب، واستظفر منه نبيل كل مرغوب. هذا، وقد ترك الذود منتشرة نافرة (24)، ومشمئزة نايرة (25)، في ليلة ماطرة ريحية في غوضة مسبعة (26) مؤذية، وقد حيل بينها وبين راعيها ببوائق العوائق (27)، وامتداد العلائق.
هذا، وأدهى ماكان، وأشجى مايكون ماهو متوقع ومترقبوه (28) مما هو مسموع غير منكور في سالف الدهور، على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم من قول مسطح (29)، أفتهم قلة المطر وبيت الشعر، عياذا بالملك الخلاق، وقد فشى ذلك فينا حتى أضرح الجرح (30) واستحب المزح، واشغل الخلب (31) الحلو، وأعقب الغث الصفو هل. وقد أمهلتم بل أهملتم ما عليه السلف الصالح فينا
(19) عجائم: ابتلاءات واختبارات.
(20) مشائم صدائمة الغواشية: مايؤلم من الخطوب والنوازل.
(21) تجون: الغلظة والحزونة
(22) ديار بني مصعب: الاسم القديم لوادي ميزاب بجنوب الجزائر.
(23) الصلد: الأرض الصلبة الشديدة
(24) نافرة: شاردة وأصلها نفر البعير اذا شرد.
(25) نايره: ثائرة.
(26) مسبعة: كثيرة السباع
(27) العوائق: المثبطات المهلكة
(29) انظر ترجمته في الملحق
(28) لعله: مرتقب
(30) أضرح الجرح: أفسده بعد أن كاد يندمل.
(31) الخلب: السحاب يبرق ويرعد ولا مطر فيه: البرق المطمع المخلف، يكون مثلا لمن يعد ويخلف.