الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢١٨وخفي الاسلام وأهله، وظهر الفساد كله، واستبيحت المحارم، وارتكبت المآثم، واستضعف المسلمون وصاروا كالقابض على الجمر، لايستطيعون اخفاء بدعة، ولا اظهار شرعة، وكان أن تنطمس آثار الدين وتستاصله (15) الشياطين فلما أراد الله اظهار المسلمين ونصرة المؤمنين، أظهر الله هذا النور الساطع، والحسام القاطع ذا الفضائل المشهورة، والمآثر المشكورة، والسيرة الظاهرة المبرورة أمامنا أعز الله نصره، ورفع ذكره، وأعلى قدره، وأدام دولته، ونصر صولته، وأيد سيادته، وحدد سعادته وحمى به الدين، ونصر به الضعفاء والمساكين، آمين رب العالمين.
فاجتمع رجال ممن يسر الله أن يجتمعوا من المسلمين، وبايعوه على السمع والطاعة، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونشر الحق في القوي والضعيف والدنيء والشريف، فصدقوا له، فوفقوا وانتصروا من بعد ماظلموا وهم قليل في كثير، ورمتهم العرب عن قوس واحد، وأرادوا أن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِم وَيَابَى اللَّهُ إِلا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَو كَرِهَ الكَافِرُونَ (16) والفاسقون والمنافقون ففتحت لهم القلاع والحصون ودانت لهم القبائل، وانقادت لهم الملوك طائعين وكارهين وسكنت الحركات، وردت المظالم، وانتظر المظلوم، وظهرت الدعوة وقامت الحجة، وحييت السنن، وعظمت المنن، فالحمد الله على ذلك كثيرا.
فالله الله، ثم الله الله، ياقوام الاسلام، وياصدور الأنام، وياأمناء الله في بلاده، وخلفاءه على عباده لاتتركوا أيامكم تمضي ضياعا، وتجافوا عن الراحة في الدنيا وأقلعوا عنها اقلاعا واشتروا الحياة الباقية بالحياة الفانية، فعما قليل أنتم ميتون وملاقون ماكنتم تعملون، والى احدى المنزلتين انتم صائرون فَمَن ثَقُلَت مَوَازِينُهُ فَأَوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحَونَ وَمَن خَفَّت مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُم فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} (17). فهذه نصيحتنا اليكم، وذخيرتنا لديكم، ونصحنا لكم، ولستم أحق بالنصح منها، ولكن هذه سنة الدين ومراسلة المؤمنين. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الدين النصيحة الدين النصيحة» (18)، ومن خالف خولف به، ولا يصيب
(15) في الأصل تستاطله» وهو تصحيف
(16) سورة التوبة: 32. (17) سورة المؤمنون: 102، 103.
(18) أنظر الدارمي في سنن: رقائق 41، وهو عند البخاري ومسلم والترمذي وغيرهم.
YIA_