الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٢معزل، أو قال: كيف هو؟ أو مثل ماهو؟ نور من الأنوار، أو ذو طول وعرض؟ أو هو مؤلف، أو جسم، أو مماثل للأشياء، أو مباين عنها؟ فانف ذلك عن الله عز وجل، فان هذه الأشياء التي ذكرناها وبيناها لك في كتابنا لايجوز منها شيء على الله، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، لأن من كان فيه شيء من هذه الخصال فهو، محدث، والمحدث تجري عليه من العاهات، والأمراض، والسامة، والانقلاب، والغفلة، والنسيان والموت والحياة، والذل والقهر والعجز وأمثال هذه ما يجري عليه المحدثات تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. فاجعل هذا أصلا تبني عليه فيما خطر ببالك من هذا الضرب، في تدين الله سبحانه أنه لا تُدرِكُهُ الأَبْصَارُ في الدنيا ولا في الآخرة {وَهُوَ يُدرِك الأَبصَارَ (19)، لأن الأبصار لا تحيط الا على شيء (20)، مصور محدود، حائل زائل، منتقل من حيز الى حيز، ولايوقع النظر الا على صورة كاملة أو على بعضها، فان قال: نظرت اليه كله، فقد حده وجعل له نهاية، وان قال: نظرت الى البعض منه، فقد جزاه، وبعضه، والله لايجزأ ولا يبعض، والمنظور اليه أيضا لا يكون الا حالا فوق شيء، والله تعالى لم يزل ولا مكان، وهو خالق المكان، فلما خلق المكان لم يزل غنيا عن المكان، لأن المكان محدث مخلوق وكل محدث مخلوق يزول بمرور الأزمان والله تعالى حي قيوم ولا مكان، انما يحتاج الى المكان الضعيف، والله تعالى ذو الملك والسلطان والعظمة والكبرياء والشان لايحتاج الى المكان، فيكون الذي حل فيه أقوى منه والذي فوقه يكون أعلى منه تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، بل هو الذي لاتدركه الأبصار في الدنيا ولا في الآخرة، كما أنه عزيز حكيم في الدنيا والآخرة ﴿وَلَهُ الكبرياء في السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ (21) المتكبر على الحقيقة في الدنيا والآخرة، لم يزل عزيزا متكبرا، سبحانه، ولو أردنا الاكثار لطال به الكتاب، وكتابنا هذا لا يحتمل الاطالة، وأقل من هذا يكفي لمن فهم العربية، لأن أكثر الناس تضل من قبل العربية، واحتجوا بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَومَئِذٍ نَّاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ) (22)، الأول من النضارة والحسن والبهاء، والاشراق في وجهوههم ببشراهم بجنة الخلد والنعيم الدائم الذي لا يزول، والآخرة الى رحمة ربها منتظرة، وهذا في كلام العربية مثله كثير، ولايجوز على ذلك الا هذا، ونظير ذلك {وَجَاءَ رَبُّكَ
(19) سورة الأنعام 102. (20) لعل الصواب: لا تحيط الا بشيء مصور. (21) سورة الجاثية: 37
(22) سورة القيامة: 22، 23.
- 222 -