الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٢٣وَالمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (23)، لا يمكن ذلك في العقول أبدا، بل جاء الله بالغيث معناه أتى الله الغيث، وأشباه هذا كثير في كلام العرب انما يعرف الله بما عرف به نفسه من غير رؤية، ويوصف بما وصف به نفسه من غير رؤية، ولا يدرك ربنا بالحواس ولايقاس بالناس، ربنا معروف بغير تشبيه، متدان في بعده لا نظير له، لايتوهم في ربوبيته ولا يمثل بخليقته، والتفكر في الخالق حجر حرام، لأنه بخلاف ما يقع في الأوهام.
وإنما التفكر في المخلوقات، لقوله عز وجل: {وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقتَ هَذَا بَاطِلاً)، (24)، فالخلق لما علم الله منهم منقادون وعلى ما ينتظم في المكنون من كتابه ماضون لا يعلمون خلافا مامنهم علم ولا غيره يريدون، فهم لا محالة الى ما علم الله منهم صائرون، وهو قريب غير ملتزق بعيد غير منقصي، يوحد ولا يبعض، ويحقق ولا يمثل، يعرف الله بالآيات، فلا اله غيره الكبير المتعال.
فصل
وندين الله بالايمان به، وملائكته وكتبه ورسله، وبالبعث والحساب والجنة والنار، وَأَنَّ السَّاعَةَ أتِيَةٌ لَّارَيبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَن فِي القُبُورِ} (25)، ونؤمن بالقضاء والقدر كله خيره وشره وحلوه ومره، والخير والشر، والكفر والايمان من الله خلق، لقوله عز وجل: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ (26) وقال تعالى: ﴿وَاللهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ (27)، وهما من المخلوق اكتساب، والله خالق كسبهم، خلق الطاعة وأمر العباد بها وأحبها ورضيها ووعد الثواب عليها فعملوها بحسن اختيارهم وبتسديد من الله وتوفيق، لقوله: {وَمَا تَشَاؤُونَ إِلا أَن يَشَاءَ الله) (28)، ومن عمل المعصية فبسوء اختياره
لنفسه غير مجبور عليها، ولامامور بها ولا مقهور، بل سولت له نفسه، وزين له الشيطان عمله، والله خلق المعصية ونهى عنها وكرهها ولا رضيها، ولكن أراد الله تعالى أن يكون من العبد ما علم منهم سيكون ارادة علم لا ارادة محبة، لأنه تعالى لم يطع باقتدار من المطيع، ولم يعص بغلبة من العاصي،
(23) سورة الفجر: 22 (24) سورة آل عمران: 191.
(25) سورة الحج: 7.
(26) سورة الأنعام 102. سورة الرعد: 16، سورة الزمر: 62، سورة غافر: 62.
(27) سورة الصافات: 96.
(28) سورة الانسان: 30، سورة التكوير: 29.
- 223 -