الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٣والدعاوي (14)، حيث ذكر ماجاء في القرآن الكريم في شان سيدنا داود عليه السلام وقضائه بين المتنازعين فاستطرد متحدثا، وجاء بقصة وقوعه في حب امرأة بارعة الجمال كانت زوجة لأحد الجنود، فيورد ماكان من أحداث القصة التي نسجها خيال القصاص وعقليتهم الأسطورية. ويستطيع القاريء الكريم أن يتبين موقفه هذا من خلال ماجاء في الجزء الأول حين تحدث عن خلق آدم، فأورد أساطير عجيبة غريبة، هي من رواسب الفكر المسلم بالاسرائيليات، المنبهر باخبار القصاص وخرافاتهم.
.
ولسنا نلوم المؤلف على ذلك اطلاقا، فهو يصور مرحلة من مراحل الفكر العربي والاسلامي كان الناس فيها يصدقون - لطيبة أنفسهم ـ بكل ما يسمعون، وينبهرون - لقلة تجاربهم وضيق أفقهم - بكل مايتناقلون، وليس عجيبا أن يقع الخراسيني في هذا المحذور، وقد وقع قبله علماء فطاحل من أمثال الطبري، وابن هشام وابن اسحاق، وابن الأثير، وغيرهم على أن ذلك لا يعني ضعف شخصية المؤلف، وعدم تمحيصه للأخبار والروايات تلك، فان شخصية المؤلف واضحة جلية، ولاسيما من خلال بعض المنثورات التي تسمح له موضوعاتها بابداء الرأي والتعقيب والاتيان بالأمثال والحكم، وقد وضح هذا الاتجاه منه في المنثورة الثانية التي يحث فيها على طلب العلم وفضله ويتوهج أسلوبه بالحرارة والصدق، والايمان حين يكون الموضوع متعلقا بالعقيدة أو الوطن من ذلك خطبته في الجهاد ودعوته الى تأييد الامام سلطان بن سيف، ومن ذلك أيضا «كتاب الحدود
الأكيدة، والقوانين السديدة للمملكة السعيدة والسلطنة الرشيدة (15)». ولعل أطول فصل من تأليف صاحب الكتاب كله، هو ماكتبه في آخر المنثورة التاسعة عشرة (16)، حيث تعرض لظاهرة اجتماعية جديدة وآفة سلوكية خطيرة، وهي التدخين، اذ من المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكمها مابين من اعتبره منكرا من المناكر المحرمة، وبهذا الرأي يأخذ الاباضية، ومن اعتبره من المباحات المسكوت في حكمها على أن أغلب العلماء والفقهاء المعاصرين رجعوا الى قول الاباضية بعد أن أكد العلم والطب الحديث صواب
نظرتهم.
(14) يراجع الجزء الثاني من فواكه العلوم. (15) ينظر الجزء الثالث من فواكه العلوم
--
165
ص
،
(16) يراجع الجزء الثاني