فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٥٢

اذا صدر من ذويك، ومن تقوى بسلطانك فذلك منك لامنه، والكلمة الشديدة تنفر منها القلوب وتتبدد منها الأجساد، فقد وصى الله نبيه عليه الصلاة والسلام بلين الجانب، وخفض الجناح للمؤمنين، فقال: {وَلَو كُنتَ فَظَا غَلِيظَ القَلبِ لَانفَضُّوا مِن حَولِكَ فَاعْفُ عَنهُم وَاستَغفِر لَهُم وَشَاوِرُهُم في الأمر) (4)، وقال: {وَاَمرُهُم شُورَى بَينَهُم) (5)، وأمره بالمشورة، وحثه عليها في غير موضع وهو أكثر الناس عقلا، وأرجحهم رأيا، وأعلاهم درجة وأدبا صلى الله عليه وسلم لأن ذلك من لين الجانب، وحسن التواضع للناس، فلا ذل ولا صغر من تواضع لله. ولا شاء وارتفع من تكبر على الخلق، وحاشاك، وحاشا كل مؤمن تقي من ذلك وأحق الناس وأولاهم بالصبر واحتمال الأذى الملوك، لأنهم على أمورهم قادرون ولرقاب الرعية قاهرون، قد ملكهم الله العباد لا ملجأ لهم من الله الا اليه. وعندي لاشك انك عالم بالذي كتبت به اليك. لأنك ملك من أبناء الملوك، تسوسون الرعايا، وتمارسون الأمور، لأن الملوك ممتحنون بذلك، فلابد لهم، ولا مخرج من ذلك، لأن الملوك أحوج الناس الى سياسة الملك في رعاياهم، وأنهم أكبر الناس عقولا، ورأيا، وسيرة، وسياسة، وأدبا من سائر الرعايا وهم أمناء الله في أرضه على خلقه. ولكن المكاتبات بين المسلمين واجبة والنصائح لازمة تذكرة وتنبيها للملوك، لما فيه من كثرة الأشغال من معاناة أمور الرعية، ومقاساة ماتجده من كثرة المعاندات والمخاصمات وخاصة في هذا الزمان والله المستعان وهو حسبنا وكفى بالله حسيباً) (1).

واعلم - أيها الامام - أن الله سبحانه أحلك محلا عاليا شامخا، وأنزلك منزلا شريفا باذخا وملكك طائفة من ملكه، وأشركك في شيء من حكمه، ولم يرض أن يكون أمر أحد فوق أمرك، فلا ترض أنت أن يكون أحد أولى منك بالشكر له، وأن الله سبحانه قد ألزم الورى طاعتك، فلا يكن أحد أطوع الله منك له، وليس الشكر باللسان، ولكن بالفعل والاحسان. قال الله تعالى:

اعْمَلُوا أَلَ دَاوُدَ شُكرا (7)، واعلم أن هذا الذي أصبحت فيه من الملك، لم

تبق له ولم (8) يبق لك، ولو أنه بقي لمن قبلك لم يصل اليك، انما صار اليك

(4) سورة آل عمران: 159. (5) سورة الشورى: 38. سورة النساء: 6، سورة الأحزاب: 39.

(6)

(V)

(^)

سورة سبأ: 13.

لعل الصواب: لن تبقى له ولن يبقى

- 252 -