فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩١

من أصحابه، أهل بليا (65)، وقيسارية (66)، وسالوا أن يكون أمير المؤمنين هو الذي يعقد لهم الصلح بنفسه، ويكتب لهم الأمان فخاطبه أمراؤه بذلك، فامر الناس بالخروج، وخرج من عسكره من حينه فنهض اليهم، فلما نزل بهم أتى ببرذون (67)، فقيل له: اركب هذا، فهو أهيب لك على الأعداء فركبه، فلما أهملج به (68) نزل عنه، وقال: خذوا عني، فانه شيطان، كاد والله أن يغير علي قلبي، وأعجبتني نفسي فنزل وأخذ مقود بعيره على كتفه، وهو يقوده، والندى والطين يضرب في ذيوله، وكان قد أتى بثياب بيض، وكان لبسها حين ركب البرذون وهو بكسر الباء المعجمة، واحدته برذونة فقالوا له: اتق على نفسك الثياب حين نزل عن البرذون، فنزع الثياب، وقال: دعوني فوالله لا فارقت الهيئة التي فارقت عليها صاحبي يعني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبا بكر الصديق رضي الله عنه فقيل له: انك وصلت الى دار قوم تحارون أن يروكم في غير هذه الحالة فاعطنا الزمام، فطرح يده في وجه من قال له ذلك، فقال: انا قوم أعزنا الله بالاسلام، ولم يعزنا بغيره، فلا تعتزوا بغير ما أعزكم الله

به، فبدلوا

فانظر أيها الرافل في ثوب الكبر مع كثرة اللحم والشحم، وعظم الهامة وارتفاعها في الهوى، مع صغر العقل من الرأس، وخلوه من القياس، فان كان لك عبارة وفكر ونظر، فانظر وفكر فيما ملك نفسه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب (رضي الله عنه عن الكبر والاعجاب بنفسه، والتفاخر والتكبر، مع

عظم ملكه، وقوة جيوشه (رحمه الله ورضي عنه)، وكذلك أسوة حسنة جميع الصحابة والتابعين والأئمة الراشدين في رأفتهم لبعضهم بعض، فانظر وفكر واعتبر أيها العاقل، وسر في الأرض وانظر كيف كان عاقبة الذين استكبروا في الأرض، وقطعوا زمانهم بالمباهاة لبعضهم بعض، ولم ينتبهوا لأداء السنن والفرائض (فَسَوفَ يَعْلَمُونَ إِذِ الأَعْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِم وَالسَّلَاسِلُ

293/ 1

(65) بليا لعل الصواب: ايليا، وهي اسم من أسماء بيت المقدس. انظر معجم البلدان (66) قيسارية: بلد على ساحل بحر الشام، تعد في أعمال فلسطين. انظر معجم البلدان

421/ 5

(67) برذون: الدابة، أو دابة الحمل الثقيلة البطيئة، أو الفرس غير الأصيل، دابة بين الحمار

والبغل.

(98) أهملج: هملج البرذون، هملجة، مشي مشية سهلة في سرعة.

- 291 -