فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢٩٣

في طلب الآخرة في ثمرة التذلل والخضوع، وترك التطاول والاستكبار، والله

أعلم.

فصل

واعلم أن أصل الكبر أن يرى نفسه فوق غيره في صفات الكمال، فتحصل بذلك نفحة الكبرياء والعظمة به. ومن أين تليق العظمة بعبد ذليل لايملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا فكيف تتكبر يامسكين وأنت مخلوق من عدم؟ ولا شيء أقل من العدم. ثم أوجدك مولاك بعد أن لم تكن شيئا مذكورا، فخلقك من تراب ثم من نطفة، ثم سواك رجلا، وصورك أحسن الصور، من علقة ليس لها سمع ولا بصر ولا حياة، ثم أنعم الله عليك بعد هذه بهذه النعم الظاهرة والباطنة. ثم أنت في غاية كمالك الى غاية النقصان تصح وتألم، وتفرح وتحزن، وتجد وتفقد، وتذكر وتنسى، فلا الذي فيه من ذلك مصلحتك تقدر أن تستجلبه لنفسك، ولا الذي تكرهه من ذلك لا تدفعه عن نفسك بقليل ولا كثير، فانتبه وتدبر في هذه الألفاظ الدقيقة، والمعاني الحقيقة.

فصل

ووجدت عن لقمان الحكيم (رحمه الله) أنه قال لابنه: الشريف اذا تزهد تواضع، والوضيع اذا تزهد تكبر. وقال لابنه (رحمه الله): يابني لا تسرع الى أرفع موضع في المجلس، فالموضع الذي ترفع اليه خير من الموضع الذي تحط منه، وأوحى الله عز وجل الى موسى عليه الصلاة والسلام: انما أقبل صلاة من تواضع لعظمتي، ولم يتعظم على خلقي، وألزم قلبه خوفي، وقطع نهاره بذكري، وكف نفسه عن الشهوات لأجلي. وقال عليه الصلاة والسلام: «اذا تواضع العبد رفعه الله الى السماء السابعة» (75).

فافهموا، اخواني، واعتبروا، واحذروا أيضا أمور الرياء وأسبابه، فانه الشرك الأصغر. قال الله عز وجل: إنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك (76)، فصاحب الرياء هو مشرك بالله، لأنه يعمل العمل للجاه والرفعة، وحب المحمدة والشكر من الناس، فمن كان كذلك فقد أشرك بعمله الله رضى الناس. ولعمري أنه قد أجهد نفسه بجميع جوارحه للعمل، والقلب به أشياء متراكمة من طلب رضى الناس وقربة الملوك، واسترقاق الضعفاء، فصار بذلك (75) أنظر اتحاف السادة المتقين 353/ 8، الفوائد المجموعة للشوكاني 253. (76) سورة النساء: 48.

- 293 -