الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠١المعجمة من الماضي والمستقبل، وفي الحديث أن الله عز وجل يقول: «يفرح عبدي أن أوسع عليه في الدنيا، وذلك أبعد مايكون مني، وأبغض مايكون الي». وعندي - والله أعلم - معنى هذا الخبر أن من كان في سابق علم الله أن الغنى يفسد دينه كما جرى بثعلبة (104). فاذا وسع عليه تمرن على النفاق والغفلة المردية المميلة بالأهواء، فذلك الذي يبغضه الله ويبعده، وأما من فرح برزق حلال طيب ليوسع على عياله ويستعين به على أمر دينه ودنياه، وليتقوى به على سلوك طرق الآخرة، فاذا سره ذلك فلا يكون مبعودا مبغوضا فينظر، والله أعلم. فينظر في هذا لأني أوضحتها مع قلة المعرفة ولا يؤخذ الا ما وافق الحق والصواب.
فصـ
قال الله عز وجل: ﴿وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبّاً جَمَّا (105)، مع حرص وشدة وبخل، فهذا هو المذموم، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «أن الله عز وجل يقول: يفرح عبدي أن أصرف عنه فتنة الدنيا، وذلك أقرب ما يكون مني وأحب ما يكون إلي. وهذه إشارة إلى قوله عز وجل: قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (106). وعندي أن لهذه الرواية تفسيرا وتأويلا، المعنى في ذلك - والله أعلم - أن من كان ذا قوة وصحة وثروة، كل هذه المنن آلة له الى طريق الآخرة، فاذا عدمته لم يتوصل اليها. فاذا فرح هذا العبد بصرف الفتن من عدم القوة والثروة وسقوط الكلمة ليقيم بدين الله، ويظهره بجميع الأمصار، لم يكن مبعودا (107) من رحمة الله عز وجل، لأن من كان سقيما فقيرا موضوعا لم يقدر أن يقوم بدين الله عز وجل، وأما من كان صحيحا قويا متمردا همه اكداء (108) مطامع العاجلة، وتعطيل طرق الآجلة، ووضع دين الله عز وجل، واظهار كلمة الكفر، فاذا عدمت آلته التي بها متمرد أو فرح بصرف الفتن والأحداث عنه فهذا هو المبعود (109)، والله
أعلم.
(104) انظر ترجمته في الملحق، والصواب: جرى لتعلية.
(105) سورة الفجر: 20
(106) سورة يونس: 58.
(107) لعل الصواب: لم يكن مبعدا
(108) اهداء: جمع
(109) لعل الصواب: فهذا هو المبعد
-301 -