فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٠٣

خزائن رحمته التي لا نهاية لها أردف ذلك بأن ليس لهم مدخل في أمر هذا العالم الجسماني الذي هو جزء يسير من خزائنه، فمن أين لهم أن يتصرفوا فيها؟. قوله عز وجل: (فَليَرَتَقُوا فِي الأَسبَابِ، جواب شرط محذوف، أي: ان كان لهم ذلك فليصعدوا في المعارج التي يتوصل بها الى العرش، حتى يستووا عليه ويدبروا أمر هذا العالم فينزلون الوحي على من يستصوبونه

والله أعلم. والأسباب جمع سبب وهو الوصلة، وقيل: المراد بالأسباب السماوات لأنها أسباب الحوادث السفيلة، ونظيره في سورة المؤمن. وأما الذي في سورة الحج قوله عز وجل: مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ اللهُ في الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) (114)، كلام فيه اختصار، والمعنى أن الله ناصر رسوله في الدنيا والآخرة، فمن كان يظن خلاف ذلك ويتوقعه من غيظ. وقيل: المراد بالنصر الرزق والضمير لمن. وأما قوله عز وجل: {فَليمدد بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ ليقطع، فليستقص في ازالة غيظه أو جزعه بان يفعل الممتليء غيظا أو المبالغ جزعا حتى يمد حبلا الى سماء الدنيا ثم ليختنق من قطع اذا اختنق، فان المختنق فيقطع (115) نفسه بحبس مجاريه، أو فليمدد حبلا الى سماء الدنيا ثم ليقطع به المسافة حتى يبلغ عنانه، فيجتهد في دفع نصره أو تحصيل رزقه، وأما قوله عز وجل: {فَليَنظُر هَل يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ) (116)، فليتصور في نفسه فعله ذلك، وسماه على الأول كيدا، لأنه منتهى مايقدر عليه، وما بمعنى المصدر، أي: هل يذهبن كيده، وحلته غيظه معناه فليختنق غيظا حتى يموت، وليس هذا على سبيل الحتم أن يفعل لأنه يمكنه القطع والنظر بعد الاختناق، والموت، والكن يقال للحاسد: ان لم ترض هذا فاختنق ومت غيظا، وروي أن هذه الآية نزلت في قوم بني أسد وغضفان، دعاهم النبي له الى الاسلام، وكان بينهم وبين اليهود حلف، فقالوا: لا يمكن أن نسلم لأنا نخاف أن لا ينصر محمد ولايظهر أمره، فينقطع الحلف بيننا وبين اليهود، فلا يميروننا ولا ياووننا، فنزلت هذه الآية. وعلى قول من يقول النصر بمعنى الرزق يقول الهاء راجعة الى «من»، ومعناه من كان يظن أن لن يرزقه الله في الدنيا والآخرة نزلت فيمن أساء الظن بالله، وخاف أن لا يرزقه،

(114) سورة الحج: 15. (115) كذا في الأصل ولعل الصواب: يقطع بدون الفاء

(116) سورة الحج: 15.