الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٠٥تكن كالجعل (121) يتجنب الطيبات، وهو منغمس في القذورات، وليردعك عيب نفسك عن عيوب الناس، لأن من بحث عن مساويء الناس وتجسس عن عوراتهم، واشتغل بعيب غيره، سلط الله تعالى عليه من يبحث عن مساوئه وينشرها ويتبع عورته ويبديها وينشرها. فالعاقل من شغله عيب نفسه عن عيوب الناس، وعن كل الأشياء، سوى الله عز وجل. كما روي عن ابراهيم بن أدهم (122) أنه قال حين سئل عن شيء من الحديث، فقال: اني مشغول الآن باربعة أشياء، قيل له: وماهي؟ قال: أول ذلك نظرت في يوم الميثاق حين قال الله عز وجل: «هؤلاء للجنة ولا أبالي، وهؤلاء للنار ولا أبالي»، فلا أدري في أي الفريقين كنت حينئذ، والثانية: عند خلقي في الرحم حيث قال الملك الموكل بالأرحام، أشقي أم سعيد؟ فلا أدري بما يخرج الجواب في ذلك الوقت. والثالثة عند قبض روحي حيث يقول الملك الموكل بالأرواح يارب مع الأبرار أم مع الفجار؟ فلا أدري كيف يخرج الجواب في ذلك الوقت. والرابعة عند قوله تعالى: ﴿وَامَتَارُوا اليَومَ أَيُّهَا المُجْرِمُونَ﴾ (123)، فلا أدري في أي الفريقين أكون. فانظر أيها المفكر اشتغال ابراهيم بن أدهم بنفسه، واشتغاله بعواقب
الأمور.
وروي
فصل
عنه أيضا أن قوما سألوه فقالوا: له يا أبا اسحاق مالنا ندعو الله
ولا يستجاب لنا، وقد وعدنا الاستجابة؟ فقال عز وجل: ادعُونِي أَستَجِب لَكُم (124). فقال ابراهيم بن أدهم من أجل أن قلوبكم ماتت عن خمس أشياء. الأول: دعوتم الله فلم يستجب لكم. وذلك أنكم عرفتم الله ولم تؤدوا حقه، وقرأتم القرآن فلم تعملوا بما فيه. وقلتم نحب الرسول وضيعتم سنته، ولعنتم ابليس وأطعتموه، ونظرتم عيوب الناس وتركتم عيوبكم فمن أجل ذلك لم يستجب لكم، وقد قال الله تعالى: {وَأُوفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بعهدِكُم) (125)، فإياك أيها الأخ وسوء الظن، فإنه من كبائر الذنوب». وقد قال الله عز وجل: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيراً مِّنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعضَ الظَّنِّ إِثم (126)، المعنى أن يظن بأهل الخير شراء والظن ظنان: أحدهما أثم، (121) الجعل: دويبة بنية اللون طيارة تعيش في مواطن القذارة، تجمع على جعلات. (122) انظر ترجمته في الملحق.
09:
(123) سورة يس (124) سورة غافر: 60 (126) سورة الحجرات: 12
(125) سورة البقرة: 40.
- 305 -