فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٢٢

يركبه على قواعد التفويض، ويطبخه بنار الرجاء، فبعد ذلك يسخنه بتوابيت التوكل، ثم يعجنه بزلال الزهادة، فيكون قوت قلبه كذلك مدة عمره لأن من

يرى الكل من الله لا يغضب على مخلوق، ولاياسي على مافات ولا يفرح بما أوتي منقطع إلى الله، مفوض أمره اليه بالكلية.

فصل

ولقد رأيت أحوال الجاه تتنوع على نوعين:

النوع الأول: أن يكون طلب الجاه من العبد بنية صادقة وأمنية صالحة، ليكون له في الناس أمر ومحل، وقدر حتى يظهر دين الله بكل الأمصار، ويمحق الكفر من جميع الأقطار، تراه يستبشر لمن استشعر التقوى، وسلك مسلك الهدى، منخفض له جناحه، ويمد له بالصلاح راحه، ويجلب له من كل جانب صلاحه، فيحسب الجاهل فعله ذلك لطلب السيادة، واظهار الكلمة، فلو نظرتم نواظر قلبه لرأيتموها نيرة من نور الايمان، مصقولة من درهب المآثم والبهتان كما فعل الولي الصالح سليمان بن محمد العقري (210) النزوي (رحمه الله) وذلك أنه كان يتقرب من بعض الملوك الدنيوية، فكره ذلك له اخوانه فبينما ذات يوم اذ لقي جند ذلك الملك قاصدين برجل ليقتلوه ظلما، فانقذه سليمان بن محمد (رحمه الله من يد الظلمة، فلما بلغ ذلك اخوانه علموا أن ذلك من أفضل الأعمال، لأن الله تعالى يقول: {مَن قَتَلَ نَفْسًا بغير نفس أو فَسَادٍ فِي الأَرضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا

أَحَيَا النَّاسَ جَمِيعاً) (211)، فطوبى لمن كان كذلك، وتجنب جميع المهالك. والنوع الثاني: يكون طلب الجاه من العبد للرفعة في الأرض، والاستكبار، والعتو في جميع الأمصار، واسترقاق العبيد والأحرار، والمجلبة للكبائر وهتك الأستار، تراه يسعى لمستشعر التقوى، وطالب العلم بوضوع المنزلة، وسقوط الدرجة، واختلاف الدعوة واجتلاب الهفوة، فيحسده ويبعده، وينم به ويسقطه ويجتهد في كل مضراته، واذا حضره هف عليه بمهاف منكراته، فيحاذر من يغتابه ويحسده، ويتحبب من يعاونه ويرشده، ومن دلالات هذا اللكع (أبعده الله أنه يحب من يثني عليه ويستبشر به ويتولاه، بجنانه، يتلطف له بلسانه، وان أمسك عن ثنائه خلعه بغير حجة ولا قياس، ولا بناء على أساس، اللهم الا أن ننبذه ونعاديه، فلا ترنا وجهه

(210) انظر ترجمته في الملحق (211) سورة المائدة: 32.

- 322 -