فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٣٢٧

تعالى الى داود عليه السلام: «قل لعبدي: كم عاقبته وهو لايدري»، فقال الرجل: كيف عاقبني وأنا لا أدري؟ فأوحى الله تعالى الى داود عليه السلام: «قل لعبدي أما أنسيته حلاوة ذكري، أما شغلته عن شكر فضلي وبري، وعن تعظيم حقي وقدري، فأي بلاء أعظم من هذا لو عقلت».

فصل

ووجدت أن الغزالي ضرب مثلا للدنيا فقال: مثل الخلق في الدنيا كمثل قوم ركبوا سفينة فانتهت بهم الى جزيرة فامرهم الملاح بالخروج لقضاء الحاجة، وخوفهم المقام، واستعجال السفينة، فتفرقوا فيها، فبادر بعضهم، وقضى حاجته ورجع الى السفينة فوجد مكانا خاليا واسعا، ووقف بعضهم ينظر في أنهار الجزيرة وأنوارها، وطرائف أحجارها، وعجائب غياضها، ونغمات طيورها، فرجع الى السفينة فلم يجد الا مكانا ضيقا حرجا، وأكب بعضهم على تلك الأحجار، والأصداف، فاعجبه حسنها فلم تسمح نفسه الا أن يستصحب منها شيئا، فاشتغل بجمعها، فرجع إلى السفينة، فلم يجد الا مكانا ضيقا حرجا دون ما يكفيه ويرضيه، وزادته الحجارة ثقلا، وضيقا، فلم يقدر على رميها، ولم يجد لها مكانا فجعلها على عنقه، فهو يبوء بأعبائها، وتولج بعضهم في الغياض، ونسى المركب، فاشتغل بالتفرج في تلك الأنهار، والنظر الى تلك الأزهار والأشجار، ونغمات الأطيار، والتناول من تلك الثمار، وهو في تفرجه غير خال من خوف السباع، ولدغ الهوام، والحزر من النكبات، والتردي في الأهوية، فلما رجع الى السفينة لم يصادفها، فبقي على الساحل حيران، فمزقته الهوام، وافترسته السباع. فصل

وفي الحديث (231)، واعلم أن هذه صورة أهل الدنيا بالاضافة الى الدنيا والآخرة، فتأملها، واستخرج وجه الموازنة منها ان كنت ذا بصيرة، فمن عرف نفسه، وعرف ربه، وعرف زينة الدنيا، وعرف الآخرة، شاهد بنور البصيرة عداوة الدنيا والآخرة، اذ يتكشف له قطعا أن لا سعادة في الآخرة الا لمن قدم على الله سبحانه وتعالى، عارفا محبا فيه، ناصحا الله ولرسوله وللمسلمين وأن المحبة لاتنال الا بدوام الذكر، وأن المعرفة لاتنال الا بدوام الطلب والفكر، ولا يتفرغ لهما، الا من أعرض عن اشتغال الدنيا، ولا تستولي المعرفة والحب على القلب ما لم تتفرغ من حب غير الله تعالى، ففراغ القلب عن غير الله تعالى (231) لعل المراد المؤلف بالعبارة كتب الرقائق والزهد

- 327 -