الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٢٨ضرورة اشتغاله بحب الله عز وجل، ومعرفته، ولم يتصور ذلك الا للمعرض عن الدنيا، القانع منها بقدر الزاد والضرورة، وفي الخبر عنه عليه الصلاة والسلام: «من جاء يوم القيامة بخمس لم يصد وجهه عن الجنة، النصح الله، ولدينه ولكتابه ولرسوله، وللمسلمين». فصل
وجاء في الخبر عن عيسى عليه السلام: «يا معشر الحواريين ارضوا بدني الدنيا مع سلامة الدين، كما رضى أهل الدنيا بدني الدين مع سلامة الدنيا»، فقال الحواريون لعيسى عليه السلام ياروح الله، من أولياء الله الذين لاخوف عليهم ولا هم يحزنون؟ فقال: «هم الذين نظروا الى باطن الدنيا حين نظر الناس الى ظاهرها، ونظروا الى اجل الدنيا حين نظر الناس الى عجالها، وأماتوا منها ماخافوا أن يميتهم، وتركوا منها ماخافوا أن سيتركهم، فصار استكثارهم منها استقلالا، وطلبهم لما أدركوا منها قوتا، وفرجهم لما أصابوا منها حزنا، فما عارضهم منها رفضوه وماعرضهم من رفعتها بغير الحق وضعوه، خلقت عندهم الدنيا فلم يجدوها، وخربت فلم يعمروها وماتت في صدورهم فلم يحيوها، فهم يبنون بها آخرتهم، ويبيعون دنياهم فيشترون بها ما يبقى لهم رفضوها فكانوا برفضها، فرحين، ونظروا الى أهلها غرقى قد حلت بهم المبلات، فاحيوا ذكر الموت، وأماتوا ذكر الدنيا، الله يحبون تعالى، ويحبون ذكره، ويستضيئون بنوره، فأولئك الذين لاخَوفٌ عَلَيهِم ولَا هُم يَحْزَنُونَ) (232)».
فصل
واعلم أن حب الدنيا رأس الخطيئات ومجلبة السيئات، ومعدمة للحسنات، وسبب حلول غضب رب السماوات وسببه امتزاج مفسدات خبائث وسواس في القلب، فاجتمعت هنالك مادة حب النعم، واللذاذة، والطمع في العاجلة قتار بخار تلك المادة في جميع الجوارح فاستخدرت عن طاعة ربها، تراها عند قيام الطاعة ميتة منكسرة، وعند مطامع الدنيا فرحة مستبشرة، تضطرب بذلك فرحا اضطرابا شديدا، لتدبر لذلك تدبيرا سديدا، فصار الشغل بتكاثر الدنيا دواءها، وبطاعة الله، داءها، فتبا لدواء قاتل، وهم عن الطاعة شاغل، فعلاجه أن تأكل من حلواء حب الله، موضوعة بقناديل الانقطاع اليه، مع أكل فنون القناعة، واستنشاق آس الاياس عما في أيدي (232) سورة يونس: 62
- 328 -