الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٤العبوس على اخوانك، ولا تبعث كثرة الكره على جميع خلانك، وألبس حلل الحلم عند الكرب، وارتق سلم السلم عند هيجان الغضب، الا أن الغضب حيفة والحلم أجاجها، والكربة ظلمة والسلام، سراجها، فلا تكن خبا كالخيف ولا حارا كالصيف، ولا طائشا كالفراش، ولا جاثيا كالفراش، ولا ساكنا تحسب أنك، شنآن، ولا سكانا تنسب أنك ثملان، ولا جسورا فترى كانك غشوم، ولا عقورا فتلقى كانك ظلوم فخير الأمور [أوساطها] (256)، وأشر العصور أقبحها وأغبطها حركات معها سكون، وقربان عندها شطون وأدلاج معه تاويب وعلاج عنده ترتيب وشروق يتبعه أفول، وأقول يعقبه قفول ونومات معها يقظة، ويقظة عندها غطة، وغفلة باطنها فكرة، وفكرة تمازجها عبرة، وكلام بحكمة، وأحكام برحمة، وحواس معدومة من الضير وغواش تحتها حمة من الخير وسرور وأحزان وخوف وأمنه، وفكر في خلق السماوات والأرض، ورضى في البذل والقبض، وتزود ليوم المعاد، وجواب حين يقع التناد، فهالك كل امريء سيبين وكلُّ امْرِي بِمَا كَسَبَ رَهِينُ} (257)، وقد أتيت في كتابي هذا ذكرا من الغضب ماهو كاف ان شاء الله، فاجتنبوه اخواني وتدبروا معاني ما أتيت به من المعاني الرائقة، والألفاظ الشايقة، ولا تنبذوها وراء ظهوركم ولا تعدموها من صدوركم وازهدوا مدة أعماركم وجالسوا علماءكم وأخياركم، لتغنموا طول حياتكم، وتنقلبوا بأحسن
سلامتكم.
مسالة: وأول الزهد أن لاتريد سوى الله، وأن تقطع طمعك من المخلوقين، ثم تمسك لسانك وجوارحك عن معاصي الله عز وجل، وكذلك قلبك طهره من أدناس المعاصي، مثل الرياء والنفاق والكفر والشقاق والعجب والحقد والحسد والغضب والكبر والبطر والأشر، والتزكية للأنفس، ثم تعلم أن ماكان لك لن يخطئك، وما لم يقدر لك فلا حيلة لك في وجوده، أو قدر عليك فلا حيلة لك في دفعه، ولا تجزع على مافات، ولا تهمل فكر ماهو آت، ولا تحب الا الله، وخفه أشد الخوف، فانك موقوف بين يديه، ومحاسب
بما جنيت وفعلت. مسالة: وأما الزهد مصدر زهد زهدا وزهادة بفتح مهملة الماضي والمستقبل، وبكسر مهملة الماضي، وهو عن الشيء وفي الشيء، يقال: ان
(256) لعل الصواب: أوسطها.
(257) سورة الطور: 21
- 234 -