الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٣٥الزهادة في الدنيا، والزهد في الدين، واعلم أن ذكر الله عند الزهادة أحلى من الشهد والعسل والصبر عند الزهادة على الحق بالسراء والضراء، والصبر على الصلاة بالخشوع، والصبر على الصيام بالتفضل كأنه طاعم، والصبر على الذل بطيبة نفسه.
مسالة: وقيل: أتم الزهاد أسخاهم نفسا، وأوسعهم صدرا، وأكمل الزهاد أكثرهم يقينا وموت القلب أن تطلب الدنيا بعمل الآخرة، ومن علامة ذلك، أن يكون (258) في قلبه موضع للحسد، ومبتدأ أن يلهم قلبه ذكر الله، وذكر الموت حتى يتوفى، والخشية الله والحذر والخوف كانه يراه، فاذا مضى يوم واحد وهو في الزيادة من الخوف زاده الله من المهابة والشوق إلى الجنة ونعيمها وحورها، ولا يكون زاهدا حتى يكون عابدا. ولا يكون عابدا حتى يكون ورعا. ولا يكون ورعا حتى يكون عالما، قال: (259) ولا تطمع بالسمن مع الشبع، ولا في الحزن مع كثرة النوم، ولا في الخوف مع الرغبة في الدنيا، ولا في حب الله مع حب المال والشرف ولا في لين القلب مع جفاء الأرملة واليتيم، والمسكين ولا في رقة القلب مع كثرة الكلام والفضول، ولا بأمر المعروف والنهي عن المنكر الا بعد الاياس عما في أيدي الناس. مسالة: وفي الخبر عن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه): «لا يغرنكم صلاة امريء ولا صيام من شاء صام، ومن شاء صلى، ولكن انظروا الى حديثه اذا حدث، والا أمانته اذا أئتمن، والى ورعه اذا أشفا» (260). واياكم اخواني والاصرار على المعاصي وترك الاستغفار، لأنه قال تبارك وتعالى: وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَو ظَلَمُوا أَنفُسَهُم ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِم وَمَن يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللهُ وَلَم يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا … ) (261) الآية، لأنه يوجد في الأثر أنه: «من أصر على حبة من خردل ظلما ومات على ذلك فهو في النار»، ويوجد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من لم يستغفر الله كل يوم مرتين، مرة بالغداة، ومرة بالعشي، فقد ظلم نفسه»، ولعمري ما ينفع الاستغفار باللسان مع قساوة الجنان، والغل لجميع الأخوان والاصرار على معصية الرحمن، انما التوبة والانقياد والرجوع بالقلب عن المعاصي، والاعتقاد أن لا يقرب
معصية أبدا.
(258) لعل الصواب: أن لا يكون
(259) كذا في الأصل، ويبدو في الكلام سقط (260) رواه ابن حجر في المطالب العالية 2608. (261) سورة آل عمران: 135.
- 335 -