الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦١المؤمن من ماله في سبيل الخير، وان كان يسيرا فان الله يجعل الجزاء عليه عظيما كثيرا. واليدان هاهنا عبارتان (372) عن النعمتين، ففرق بين نعمة العبد وبين نعمة الله عز وجل، فجعل تلك قصيرة وهذه طويلة، لأن الله تعالى أبدا يضعف على نعم المخلوقين أضعافا كثيرة، اذ كانت نعمه أصل النعم كلها، فكل نعمة اليها ترجع ومنها تنزع وقال: ان الله في كل نعمة حقا، فمن أداه زاده منها، ومن قصر خاطر بزوال نعمته وقال: الكرام أعطف من الرحم. وقال البخل جامع لمساويء العيوب، وهو زمام يقاد به الى كل سوء. وقال لبعض أصحابه: لا تجعل شغلك بأهلك وولدك. فان يكن أهلك وولدك أولياء الله فان الله لا يضيع أولياءه، وان يكونوا أعداء الله فما همك وشغلك بأعداء الله.
فقيل له: لو سد على رجل باب بيته ونزل فيه من أين كان ياتيه رزقه؟ فقال: من حيث ياتيه أجله. وقال لجابر بن عبد الله الأنصاري: ياجابر قوام الدنيا باربعة: عالم مستعمل علمه، وجاهل يستنكف (373) أن يتعلم، وجواد بمعروفه، باع القصير آخرته بدنياه، ياجابر من كثرت نعم الله عليه كثرة حوائج الناس اليه الرزق رزقان رزق تطلبه ورزق يطلبك، فان لم تاته أتاك، ولن يسبقك الى رزقك طالب، ولن يغلبك عليه غالب. وقال لأبنه الحسن: يابني احفظ عني أربعا وأربعا لا يضرك ماعملت معهن: ان أغنى الغنى العقل، وأكبر الفقر الحمق، وأوحش الوحشة العجب، وأكرم الحسب حسن الخلق يابني اياك ومصادقة الأحمق، فانه يريد أن ينفعك فيضرك واياك ومصادقة البخيل، فانه يقعد عنك أحوج ماتكون اليه، واياك ومصادقة الفاجر فانه ...... (374) ويباعد عليك القريب. وقال: لاقربة بالنوافل. وقال: لسان العاقل وراء قلبه، وقلب الأحمق وراء لسانه. وهذه المعاني العجيبة الشريفة، والمراد به أن العاقل لايطلق لسانه الا بعد مشاورة الرؤية ومؤامرة الفكر، والأحمق يسبق حد فاه لسانه وفلتات كلامه مراجعة فكره، مما خصه رأيه فكان لسان العاقل تابع لقلبه، وكان قلب الأحمق تابعا للسانه. عنه هذا المعنى بلفظ آخر، وهو قوله: قلب الأحمق في فيه، ولسان العاقل في قلبه، ومعناهما واحد وقال: قلوب الرجال خشبة، فمن تألفهما أقبلت اليه.
(372) لعل الصواب: عبارة. (373) لعل الصواب: لا يستنكف (374) غير واضحة في الأصل
ويروي
- 361 -