الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٣٦٦لأن البلدة في معنى البلد، ولأنه غير جار على الفعل كسائر أبنية المبالغة، فاجري مجرى الجامد، والله أعلم.
وأما قوله عز وجل: (مِمَّا خَلَقنَا أَنعَاماً وَأَنَاسِي كَثِيرًا) (7)، يعني أهل البوادي الذين في الجبال الشامخات والقفار الخاليات وجميع أهل القري والبلدان، فتشرب منهم أنعامهم وأنفسهم، لقوله تبارك وتعالى: ﴿أَوَ لَم يَروا أَنَّا نَسُوقُ المَاءَ إِلَى الأَرضِ الجُرُزِ فَنُخرِجُ بِهِ زَرعاً تَاكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُم وَأَنفُسُهُم أَفَلَا يُبصِرُونَ﴾ (8)، معنى الجرز: الأرض اليابسة الغليظة التي لانبات فيها، وقيل عن ابن عباس (رضي الله عنه): هي أرض باليمن. والله أعلم.
واناسي معناه: ناسا كثيرا، وهو جمع انسي وانسان، كطرابي في طربان، على أن أصله أناسين، فقلبت النون ياء، وقريء ونسقيه بفتح النون، لأن سقى وأسقى لغتان وقيل أسقاه، جعل له سقيا، والله أعلم. فصل
وساذكر وجوه الوقود، بفتح المهملة، وهو ما يوقد به، قال الله تعالى: النَّارِ ذَاتِ الوقودة، وهو بدل من الآية التي قبلها، وهي قوله تعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الوَقُودِ﴾ (9)، ومعنى (قتل)، أي: لعن و الأخدود، الشق المستطيل في الأرض كالنهر، وجمعه أخاديد. واختلفوا في ذلك، فالذي ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «كان ملك قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر قال للملك اني قد كبرت فابعث لي غلاما أعلمه السحر، فبعث اليه غلاما ليعلمه، وكان في طريقه اذ أشكل عليه راهب، فقعد اليه وسمع كلامه، فاعجبه، فكان الغلام اذا أتى التاجر مر بالراهب، وقعد اليه فيضربه الساحر من أجل ذلك، واذا رجع من عنده مر بالراهب على مجيئه، وقعد معه وسمع كلامه، فاذا أتى أهله ضربوه، فشكى الغلام الى الراهب، فقال له: اذا جئت الى الساحر فقل: حبسني أهلي، واذا جئت الى أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك أن أتى الى دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال الغلام اليوم أعلم الراهب أفضل أم الساحر، فأخذ حجرا وقال: اللهم ان كان أمر الراهب أحب اليك من أمر الساحر فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس،
(7) سورة الفرقان: 49.
(8) سورة السجدة: 27
(9) سورة البروج 4 - 5
•
- 366 -