الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٤٠اليها قالت له: ماتريد؟ قال: اني رسول رب العالمين جئت لآخذ منك ترابا يخلق منه خلقا، فأوحى الله اليها بالاجابة. فقالت له: اني حلفت عليك ربي باسماء الله أن لاتاخذ مني ترابا يخلق منه خلقا ربي يعصي ربه، فانطلق الى ربه فاعلمه، وهو بذلك أعلم، فأرسل اليها ملكا آخر يقال له عزرائيل عليه السلام، فقالت له: ما تريد؟ فقال: أريد أن آخذ منك ترابا يخلق منه ربي خلقا، فاجابته بالقول الأول، فقال لها: أنا رسول رب العالمين، وعلي طاعة فاخذ من الأراضين السبع من السوداء والحمراء والخضراء والصفراء ربي والأدماء (12)، قبل ذلك التراب بالماء فصار طينا خلقه بيده، أي: بقدرته، كرامة لأدم عليه السلام، وأحسن صورته، وأظهر حجته، وجعل في ذلك الطين أربعة أخلاط الحارة والباردة والرطبة واليابسة فلبثت تلك النطفة أربعين سنة حتى أنتنت وراحت ثم لبثت أربعين سنة حتى صارت لازبا، ثم لبثت أربعين سنة حتى صارت لازبا صلصالا، وهو الطين اليابس كالفخار، ثم خلق الله آدم عليه السلام من تلك الطينة، وخلق فيه النطفة. فمن حكمته عز وجل وقدرته أنه قال للرحم عند جماع الرجل زوجته افتحي فاك تحل فيك قدرتي وسلطاني وخلقي الذي أريد أن أخلقه، فتفتح الرحم، فيقطر من نطفة الرجل ونطفة المرأة قدر الحمصة ولايكون الولد الا من النطفتين جميعا، فلما وقعت النطفة في الرحم، فالذي جاء في الحديث أن الملك الموكل بالأرحام يستخرجها فيضعها في كفه فيقول: يارب مخلقة أو غير مخلقة، فان قال غير مخلقة قذفتها الأرحام. وأما ان قال مخلقة، قال: يارب شقي أم سعيد، ذكر أم أنثى، يموت طفلا، أم سقطا، أم فطيما، أم شابا، أم كهلا، أم يرد الى أرذل العمر، أم يموت في بر، أو بحر أو حريق، أو غريق، أم تأكله السباع، أو يقتل بالسيف، ويكون غنيا، أو فقيرا، وغير ذلك ولا يدع شيئا من أصناف الحوائج والمهالك التي تجري على الانسان الا ذكرها، فيقال له: انطلق الى اللوح المحفوظ فانك تجد قصة تلك النطفة فيكتبها كما يجدها وتطا أثرها وتأكل
رزقها وتعيش الى أن يأتيها أجلها فتموت في تلك الأرض التي كتبها (13). وفي الحديث: «أن ذلك الملك الموكل يأخذ من تراب تلك البقعة التي تدفن فيها تلك النطفة قبضة، فيرفعها مع النطفة، ثم يدخلها في الرحم»، والله أعلم.
(12) الأدماء: أرض أدماء، ذات لون أسمر. (13) جاء بعض الرواية في قصص الأنبياء لأبن كثير.
ص
39 - 40