فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٩

ذكرت سبب طبخ الكبد للغذاء من قبل، فسأذكر هنا شيئا لم أذكره من قبل، وهو من بعد ماذكرنا من طبخ الكبد ومايصل الى القلب من الرئة الى الدماغ في عرقين يصعدان الى الدماغ، فلما صارا الى الدماغ انقسما أقساما شتى، ثم اتصلت تلك الأقسام، وانضم بعضها الى بعض، وصار فيها غشاء شبيها بالمشيمة متنجس، ثم يتفرع من ذلك الغشاء عروق أدق مافيه وأثر مافي بطنه، ثم تنقسم تلك العروق أقساما شتى ثم تشتبك بعضها ببعض، ويصير فيها غشاء تشبه شبكة الصياد، ولذلك سمي الغشاء الشبكي المننجس. فأما منفعة المننجس الغليظ فانه توقي الدماغ من العظم، وأن يلطف فيه تلك الروح. وأما المننجس الثاني فانه يلي الدماغ وأن يلطف فيه ذلك الروح الحيواني، وتدور في التشابك الأول ثم يلطف ويدق، ثم يهبط الى الغشاء الشبكي الذي دونه فيدور فيه حتى يلطف هناك، ثم يهبط أيضا الى الوعائين الذين في مقدم الرأس ويمكث هنالك، ويلطف، وتبقى الطبيعة غير ما يخالطه من الفضول الى المنخرين ويقال له الروح النفساني، ولهذا قال جالينوس ان قوى النفس تابعة بمرح البدن، ثم تنفذ في العصب الأجوف الى العين نفوذا متصلا فتكون به قوة البصر، وذلك أن الطبيعة اذا أرادت استقصاء انضاج المادة تحتال لها لبثا طويل المدة في الآلات التي تنفذ فيها. وكذلك لما كان هذا النفساني يحتاج الى النضج الى ما هو أشد استقصاء، جعل له مسالك طويلة، ومنافذ ضيقة لينضج فيها باستقصاء. فان قلت: كيف تبصر بهذه الروح، فهو بان تخرج من الدماغ الى العصب وتخرج الى الهواء، كما ذكرته، في توسط الجليدية فيتم البصر بذلك. وأما مزاج هذا النور فهو حار يابس، لأن الأصل الباعث لهذا النور الى الدماغ الروح الحيواني. فان قلت: اين موضع هذا النور الآتي الى العين؟ فموضعه على حافة الحاجب من مجمع الحاجبين. وان قلن أين موضع الذكر من الانسان؟ فهو في مقدم الرأس، ودليله أن تضع أصبعك الخنصر على طرف الأنف، وتمد شبرك الى أن يصل الابهام وهو أعلى اليافوخ وأما محل الكبر فهو في أعلى الرأس مائلا قليلا الى الخلف. وأما عمل الحساب هو أسفل من محل الكبر. وأما عمل الخيالات هو أسفل من عمل الحساب. وأما محل السمع والنظر هو على القحود، والله أعلم. انقضى ماكتبه الشيخ علي بن عامر العقري (رحمه الله).

_ {9_