فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٠

فصل

الرجل

فلما أن أكمل الله خلق هذا المولود في بطن أمه، وهو من ونطفة المرأة لأنه لا يكون إلا من النطفتين جميعا لقوله عز وجل: {إِنَّا خَلَقْنَا الإنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمَشَاجِ نَّبِتَلِيه (22)، أي نختبره بالأمر والنهي. والأمشاج الأخلاط، واحدها مشج مثل خدن وخدين والمعنى ماء الرجل وماء المرأة يختلطان في الرحم. وقد ذكر الشيخ (رحمه الله) سبب اختلاطهما ولا يحتاج الى ذكر أكثر، وأصل ماء الرجل أبيض غليظ، وماء المرأة أصفر رقيق، فأيهما علا صاحبه كان الشبه له. فما كان من عصب أو عظم فمن نطفة الرجل، وماكان من لحم ودم وشعر فمن ماء المرأة. وأصل ماء الرجل من صلبه، وماء المرأة من تراثبها لقوله عز وجل: يَخْرُجُ مِن بَينِ الصُّلب والترائب (23). والترائب جمع التريبة وهي عظام الصدر والنحر. فاذا اختلطت النطفتان ومضت لها أربعة أشهر أمر الله الملك الموكل بالأرواح فمن حكمته عز وجل بأن خلق تلك النطفة علقة، ثم خلق العلقة مضغة، ثم خلق المضغة عظاما، ثم كسا العظام لحما في مشيمة كعباه عند اليتيه. وزنداه عند كعبيه، ويداه على عينيه، وذقنه على ركبتيه كالكبة المجموعة المصرورة مناطا بسرته على سرة أمه وجعل الله عز وجل يمنه وفضله متكاين أحدهما عن يمينه والآخر عن شماله، فأما الذي عن يمينه فهو الكبد، وأما الذي عن. شماله فهو الطحال، وغشا وجهه بالغشاوة وأقبل بوجهه الى ظهر أمه، وظهره الى بطنها لكيلا تؤلمه بزفرة الطعام ويؤلمها بنفسه، وجعل له رزقه وغذاءه في بطن أمه من دم حيضها، فمن أجل ذلك لا تحيض المرأة. وركب فيه عزوجل أربع طبائع وهي السوداء والصفراء والبلغم والدم وجعل معه أربعة أخلاط متضادة وهي الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة. فأول ماخلق الله عز وجل الحرارة، وأصلها من الحركة الكونية التي هي من قدرة الله عز وجل وعلة الفلك في الأشياء المتحركات، ثم خلق الله طبيعة البرودة، وأصلها من السكون الكوني الذي هو من قدرة الله تعالى، وعلة الفلك والأشياء الساكنات، فهذان أول زوجين كما قال الله عز وجل: وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوجَينِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (24) ثم يحرك الحار على البارد، وبسر لما أودع الله فيه من الحركة المذكورة، فامتزجا فتولد من (23) سورة الطارق: 7.

(22) سورة الانسان: 2 (24) سورة الذاريات: 49