فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥١

الحرارة اليبوسة، وتولد عن البرودة الرطوبة، فكانت أربع طبائع مفردات في جسم واحد، وهو أول مزاج بسيط، ثم صعدت الحرارة بالرطوبة فخلق الله منها طبيعة الحياة والأفلاك العلويات، وهبطت البرودة مع اليبوسة الى أسفل ليخلق الله منها الموت والأفلاك السفليات. ثم افتقرت الأجسام الموات الى أرواحها التي صعدت عنها، فأدار الله الفلك الأعلى دورة ثانية فامتزجت الحرارة بالبرودة والرطوبة، فعند ذلك تولدت العناصر الأربعة، وأصل الصفراء حار يابس أصله متولد من عناصر النار، ومسكنه من جسم الانسان المرارة. والبلغم أصله متولد من عنصر الماء الطبيعي، ومسكنه من جسم الانسان الرئة وهو بارد رطب. والدم أصله حار رطب متولد من عنصر الهواء الطبيعي، ومسكنه من هذا الجسم الكبد، فاذا أراد الله عز وجل بخروج هذا الجنين، بعد تمام خلقه من بطن أمه الى دار التعب والغرور، دار الحزن والسرور، دار التعب والفناء، أطلق يديه ورجليه، وأوحى إلى الأمعاء أن اتسعي، والى المفاصل افترقي، وأوحى الى الملك الموكل بالأرحام فاستخلصه على جناحيه فاوقعه على الأرض، بحكمة الله عز وجل وقدرته. فلما أخرجه الله الى الدنيا، ليس له سن تطحن، ولابطش ولا قوة حتى جعل الله رزقه في ثدي أمه لبنا خالصا سائغا عذبا مطعما شافيا مغذيا، حارا في الشتاء، باردا في الصيف، برأفة الله ولطفه، وألهمه الرضاع، وألقى الشفقة والرأفة والرحمة في قلب والديه، لايتركانه يحزن ولايبكي، فهو في رضاع أمه وتربيتها الى أن يلهمه الله الأكل من طعامه، ويشرب من مائه.

فانظر أيها المتفكر في حكمة الله وقدرته ورأفته بعبده بأن جعل أمه لاتتركه يصيح ولا يجوع ولا يؤلمه شيء، وجعلها تربيه أحسن التربية وتزيل أذاه من غير سام ولا ملل ولا كسل الى أن يستقر قراره على الأكل والشرب ففطمته أمه بعد ذلك، وجعلت تلطف به أحسن اللطف حتى أنبت الله من رأفته بعبده سنا ليطحن بها الأطعمة، وقوة يبطش بها، فهو في ذلك الى أن يبلغ أشده ويستوي. أيليق بهذا العبد الضعيف المعصية، والاعراض عن خالقه؟! لا والله العظيم والبر الرحيم، ان صاحب العصيان لمسلوب العقل فصل

•

واختلفوا في بلوغ أشده (25)، قال بعضهم من ثماني عشرة سنة الى ثلاثين سنة، وقيل: من ثلاثين الى أربعين لأنه روي في الحديث: «لم يبعث (25) اشارة الى الآية 15، سورة الأحقاف

_01_