فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٢٦

غامت السماء غيما أسود دخانا شديدا فهبط جبريل عليه السلام حتى غشي مدينتهم فهربوا وطلبوا يونس فلم يجدوا، فأيقنوا صدقه فلبسوا المسوح وبرزوا الى الصعيد بانفسهم ونسائهم وصبيانهم ودوابهم وفرقوا بين كل والدة وولدها، فحن بعضهم الى بعض وعلت الأصوات والعجيج، وأخلصوا التوبة وأظهروا الايمان، وتضرعوا الى الله فرحمهم وكشف عنهم، وكانوا لعله في يوم عاشوراء يوم الجمعة، وكان يونس قد خرج فاقام ينتظر هلاك قومه ولم ير شيئا فذهب يونس بن متي مغاضبا على قومه فأتى البحر فاذا أقوام يركبون السفينة فحملوه بغير أجر، فلما توسطت به البحر ركدت السفينة، فقالوا: ان لسفينتنا لشانا، قال يونس: عرفت أن شأنها ركبها رجل ذو خطيئة عظيمة، قالوا له: من هو؟ قال: أنا أقذفوا بي في البحر، قالوا: مانقذفك يارسول الله حتى نعذر في شانك، فتساهموا فخرجت القرعة عليه ثلاث مرات، فقال يونس: انكم والله لتهلكن جميعا أو لتطرحوني في البحر، فطرحوه، فسارت بهم السفينة، فالتقمه الحوت وهو مليم، داخل في الملامة أو أتى بما يلام عليه، فأوحى الله تعالى الى ذلك الحوت أني جعلت بطنك له سجنا ولم أجعله لك قوتا، فقيل: انه لبث في بطنه أربع ساعات، وقيل: أربعين يوما {فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (25)، فاجاب الله دعاءه، فذلك قوله عز وجل: ﴿وَذَا النُّونِ إِن ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى في الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاستَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ (26) ومعنى لَّن نَّقْدِرَ عَلَيهِ﴾، لن نضيق عليه، أو لن نقضي عليه بالعقوبة من القدر، ويعضده أنه قريء مثقلا، أو لن تعمل فيه قدرتنا، وقيل: هو تمثيل لحاله بحال من ظن أن لَّن نَّقْدِرَ في مراغمته قومه، من غير انتظار لأمرنا، أو خطرة شيطانية سبقت الى فمه ظنا للمبالغة، وقريء بالياء، وقرأ يعقوب على البناء للمفعول، وقريء به مثقلا، والله أعلم.

فصل

وروي في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من دعا بدعاء ذي النون كشف الله عنه كل هم وغم» (27). وقيل لما استجاب الله دعاء يونس أمر الحوت بان ينبذه

(25) سورة الأنبياء: 87.

(26) سورة الأنبياء: 87 - 88 (27) أورده الشجري: الأمالي 28/ 1.

- 526 -