فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٧

له ولا وزير لاتدركه الأبصار في الدنيا والآخرة، وهو يدرك الأبصار، وهو اللطيف الخبير، حتى جعل الله أيدي العقول تمسك أعنة النفوس، والجسم مسخر للنفس، والنفس مسخرة للعقل، والعقل مستمد من الحضرة الالهية فعنه تصدر الحكمة التي هي رأس العلوم، وميزان العدل، ولسان الايمان وعين البيان وروضة الأرواح، ونور الأشباح، وجند المحاسن وميزان الحقائق وملجا الهاوين ومنية المشتاقين، وأمن الخائفين، وأنس المستوحشين، ومتجر الراغبين، وحظ الدنيا والآخرة، وسلامة العاجل والآجل، لا تندرس آثارها ولا تنطمس ربوعها، ولايهلك بعد معرفته بها لأن الحكمة في نفسها اصابة الحق، فاذا وردت على القلب ثبتت الحق، وكشفت ستر الجهل، ودلت على مكامل الهدى، وجلت (49) القلوب من صداها، ولن تدرك الحكمة بجد ولا اجتهاد، ولكن بمنة الله ولطفه، وسوف يؤتها من يشاء ويحرمها من يشاء لقوله عز وجل: (يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤتَ الحِكمَةَ فَقَد أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً (50)، في الدارين، والله أعلم بالصواب.

فصل

واختلفوا في تفسير الحكمة، فقال بعض أهل العلم: هو اسم العقل. وقال بعض: الحكمة القرآن والاسم (51) والفقه. وقال بعض: النبوة. وقال بعض: هو القرآن، وناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهه، ومقدمه ومؤخره، وحلاله وحرامه، وقيل: معرفة الأشياء وفهمها، والله أعلم.

فصل

واعلم أن الله عز وجل خلق الخلق على أربعة أقسام: ملائكة وآدميين وشياطين وبهائم، فركب في الملائكة عقلا بلا هوى ولا شهوة، لأنهم مقدسون عن هذه الرذائل، فلهذا لم يفتروا ساعة عن تسبيح ربهم، كما قال الله عز وجل: لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَن عِبَادَتِهِ وَلَا يَستَحْسِرُونَ} (52)، أي لايعيون. يقال: حسر واستحسر اذا تعب وعمى. وقيل: لا ينقطعون عن العبادة يُسَبِّحُونَ الليلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (53)، أي لا يضعفون ولايسامون لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا

(49) جلت القلوب، أي جعلتها صافية لا ران عليها.

(50) سورة البقرة: 269

(51) كذا في الأصل (52) سورة الأنبياء: 19.

(53) سورة الأنبياء: 20

_ OV_