الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٨أَمَرهُم وَيَفْعَلُونَ مَايُؤمَرُونَ) (54)، فالراكع منهم راكع أبدا، والساجد منهم ساجد، والقائم منهم قائم أبدا، لقوله عز وجل اخبارا عنهم: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ (55)، أي لا أحد الا له مقام معلوم في العبادة والمعرفة والانتهاء الى أمر الله عز وجل، والله أعلم.
وأما البهائم والدواب والطيور وجميع ذات الأرواح فركب الله فيها
•
شهوة بلا عقل حتى قطعت أوقاتها في البطن والفرج، ولا لها حاجة غيره. وركب في الشياطين العقل والشهوة والهوى فغلبت شهواتهم عقولهم فقطعوا دارهم بالأخلاق المذمومة والكبائر والمعاصي من الكبر والعجب والفخر والحقد والغل والحسد وسائر الأخلاق المهلكة وكذلك بنو آدم ركب الله فيهم العقل والهوى والشهوة، فلما اجتمع فيهم من عقل الملائكة، وأخلاق الشياطين، وشهوات البهائم، لم يستقيموا على صنف واحد كالملائكة والشياطين والبهائم ولكن انقسموا أربعة أقسام. فمنهم من غلب عقله على هواه وشهوته، وقد علا العقل عليهما، فكلما وسوسا للانسان بشيء ردهما العقل لأنه أعلى منهما، فكان الانسان على هذه الصفة من عالم الملائكة كالأنبياء والأولياء والأصفياء، ولذلك لم يأنسوا الى الخلق لبعدهم عن مجالسهم. والقسم الثاني غلبت شهواتهم وهواهم على عقلهم حتى أسرتهم واستعبدتهم. فأصبحوا يكرعون في اللذات (56)، وينهمكون في الطيبات والحلال من الرزق والتنعم بالمباحات من المطاعم والملابس والمناكح، وزين لهم حب النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة من الأنعام والحرث (57)، وهم مع ذلك قد كسبوه من الحلال وأنفقوه في المباح. فهؤلاء من عالم البهائم يتلذذون وياكلون كما تأكل الأنعام وانما ألحقوا بها لأنه لاتكليف على البهائم، فكذلك هذه المباحات لاحرج في الاستمتاع بها بعد أن تكون من الحلال ويكون استعمالها على الوجه غير المنهي عنه في الشرع. وأما القسم الثالث أن يكون الغالب عليهم أحوال الشياطين من العجب والكبر والفخر وغير ذلك من الأخلاق المذمومة، فهؤلاء من عالم الشياطين.
(54) سورة التحريم: 6 (56) لعل الصواب: يكرعون من اللذات
(55) سورة الصافات: 164
(57) أصل الكلام قوله تعالى: وزُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ … )، سورة آل عمران: 14.