الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧٠خَلَقتُ الجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ، مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ ان يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو القُوَّةِ المَتِينُ) (182).
ويعني
: «أن محمدا رسول الله»، أي: أعلم ذلك علما يقينا أنه رسول الله وأن ماجاء به فهو الحق من عند الله، وأن رسالته صحيحة لاريب فيها، وأن ما أتى به واجب لايجوز الا اتباعه والأخذ به، وما نهى عنه فلايجوز الا الانتهاء عنه والتجنب عن فعله، وأن من خالفه فقد استوجب العقاب، ومن اتبعه فقد استوجب الثواب من عند الله عز وجل.
ومعنى قوله: «حي على الصلاة»، فهو الحث على فعل الصلاة، والعرب تحث بحي، أي: أسرع وبادر الى الصلاة، وأما قوله «حي على الفلاح»، فالفلاح في اللغة على وجوه، فمنهم من قال الفلاح، النجاة وقال بعضهم: الظفر، وقال بعضهم: الحياة، وقال بعضهم: السعادة، والفلح والفلاح البقاء والله أعلم، وأما قوله: «قد قامت الصلاة»، اخبار عن اقامتها والانتصاب اليها، والله أعلم. فهذا مايسر الله من بيان الآذان وكثير غير هذا، تركته خوف
الاطالة.
فصل
فينبغي للمجتهد في طلب الآخرة أن لا يكون أمره وحاله منقلبا، تارة يرابط على أذانه ورباطه في المسجد لصلاة الجماعة، والذكر الله عز وجل، وتارة مهملا ذلك، لاحظ له في ذلك، بل يكون أمره ثابتا قويا بجاشه مسارعا بجوارحه، دائما في أعماله، لأنه في المنقول عن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: «خير الأعمال أدومها وان قل» (183)، وقال الله عز وجل في كتبه المنزلة من لم يكن كل يوم في زيادة في دينه فهو في نقصان، ومن كان في نقصان فما أسرع ذهابه وانسلاخه عنه واستلاب المعرفة من قلبه، فهذه هي البلية العظمى والداهية الدهياء، والمحنة الكبرى، نعوذ بالله من ذلك ومن شر جميع المهالك. وكذلك ان حصلت له خصال من ورد، صلاة، أو ذكر الله عز وجل، أو صوم، أو صدقة، أو غير ذلك من أعمال البر، فلا يترك خصلة قد آلفها من قبل من أعمال البر، بحدوث التي هو عليها آلفا مثل الذي يصوم فلا يسارع الى الآذان في المسجد لصلاة الجماعة من أجل أن به جوعا أو ظما، فقعد في بيته ليسارع الى الأكل والشرب، أو مثل الذي يتصدق على فقراء قد الفهم بذلك من قبل، فيتصدق على
(182) سورة الذاريات: 56 - 58. (183) أورده الزبيدي: الاتحاف 570/ 8.
- 570 -