الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٥٧١آخرين ويترك أصحابه الذي الفهم بصدقته السالفة، أو مثل الذي رتب ورده كذا كذا ركعة بالأسحار، فعطلها بفعل غيرها من البر، أو قراءة كل يوم في صباحه جزئين أو ثلاثة أجزاء من كتاب الله العزيز، فتركه بفعل غيره من البر، فصار كلما حصل وردا ترك الآخر، فانما مثله كمثل التاجر ببضائع كثيرة معه كلما ربح في بضاعة ترك ربح الأخرى بسروره بربح هذه التي ربحها، فصار بلا ربح أو كالذي يجني جرادا كلما حصل واحدة فرح بها، فشغلته عن حبسها، فطارت عنه، أو كالذي تعلم مسائل الشرع كلما حفظ مسالة نسى الأخرى، فكذلك المجتهد في طلب الآخرة كلما حصل وردا قصر عن الآخر، فليس له زيادة ولاحظ في فعله هذا بتقلبه في أحواله وأموره، بل يكون ثابتا في جميع ما يتعوده من خصاله الحسنة ان كان يطلب الزيادة في أجره وفضله وألا يثبت على ورده بالذي عود نفسه من قبل، لأن خير الأعمال أدومها وان قل، فاذا أراد أن يزيد وردا على ورده فلايترك ورده الأول لتحصيل الكرم الجسيم والأجر العظيم من عند الله العزيز الحكيم.
فضل
وكذلك ان أراد أن يعود نفسه من الأوراد الايمانية والخصال الاحتسابية التي هي فضائل وشعار أنبياء الله وأصفيائه، فلايسلكها الا بعد تخليصه من الفرائض التي أوجبها تعالى عليه، لأن الاشتغال بالسنن من دون الفرائض حمق ورعونة فان اشتغل بالسنن والنوافل قبل الفرائض لم تقبل منه، ولحقه الهوان والذل والصغار عند الله والعذاب الشديد، فانما مثله كمثل أجير أجر على أن يعمل شيئا قد أراد الذي أجره أن يعمله في نهاره ونهاه أن يعمل غيره دون أن يتخلص من هذا الذي أجره عليه، فحاد من عمله الذي أجره عليه الى عمل آخر وأتعب نفسه في عمله ذلك وترك الذي ندب اليه وقد توعد عليه صاحبه أن يتركه ووعده أن فعله، فلما أن خالف طرده عن خدمته، ومنعه أجرته، فما لذلك الا النصب والتعب والذل والهوان أو كالذي أمره الملك بخدمته وخصه بخدمة معلومة، فابي وصار يخدم وزيره، وهو خادم الملك وتحت يده وولايته، كما روي في الحديث عن الرسول لا من طريق علي بن أبي طالب أنه قال: «مثل المصلي للنوافل قبل الفرائض كمثل حبلى حملت، فلما دنا نفاسها أسقطت، فلا هي ذات حمل، ولا ذات ولادة»، فكذلك المصلي لا يقبل الله له نافلة حتى يؤدي الفريضة، ومثل
- 571 -