فواكه العلوم في طاعة الحي القيوم عبد الله بن محمد بن عامر الخراسيني

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٥٧٣

من سهر ليله لقيامه، وصيامه بالنهار، لرأى ما رأى من لطائف الله وصنائعه وكرامته ورحمته ما لايمكن شرحه، لأن اليقظة لطاعة الله عز وجل شعار أنبياء الله ورسله وأصفيائه من خلقه، والنوم من الأوصاف التي هي أدنى من اليقظة، فكذلك ربنا جل جلاله نزه نفسه عن السنة والنوم لأن الأوصاف الجليلة الكاملة الشرف لا تليق الا به عز وجل، وكذلك ملائكته لما قربوا منه تعالى نفي النوم عنهم، وأهل الجنان لما كانوا في أرفع المواضع وأطهرها وأعلاها وأشرفها نفي النوم عنهم، فالخير كل الخير في اليقظة، والشر كل الشر في النوم والغفلة لأن من أكل بهوى نفسه، أكل كثيرا، وشرب كثيرا، ونام كثيرا وندم كثيرا على ماقصر من قيامه بطاعة ربه عز وجل، وفاته من ذلك خير كثير يعجز عن وصفه، ومن أكل قليلا من الحرام كان كمن أكل كثيرا من المباح بهواه، لأن الحرام يطمس القلب ويعميه عن نظره الى ملكوت السماوات والأرض، كما أن الخمر تظلم العقل وتذهبه، فاذا أظلم القلب ذهب الإيمان، واذا ذهبا الإيمان فلا صلاة، ولا، اخلاص ولا فكر في ملكوت السماوات والأرض، فكذلك من أكل الحلال كثيرا بهواه يدخل في حيز الذين قال الله فيهم: {وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُم) (189)، لأن ذلك يؤدي الى الشرب الكثير والنوم الكثير، ثم انه يتولد منه جماع كثير، فاذا تولد منه جماع كثير احتاج الى كثير من المال ليقيم بأحوال أهوائه وتطلبه اليه، فاذا تعبت نفسه في جمع الدنيا وطلبها والحرص عليها فيظهر بذلك مزاج شره وبطر في النفس، كان كامنا من قبل، فيتولد من هذا المزاج تفاخر وتكبر وتطاول على الغير، فصار يحسد كل من طاوله ويغتاب كل من حسده، فحينئذ يغرق في بحر عميق قعره، شديد أمره، فظيع عومه عسير رومه من المعاصي الباطنة التي نكتت في القلب من الغل والحسد والكبر والنفاق والتكبر والتغرير بغير الحق فامتلأ القلب من ذلك، فانطمست أنواره، وانتهكت وأظلمت أقطاره، خباط عشواء في ليلة مدلهمة ظلماء ان لألأ له سنا الايمان لم يشعر به من كثرة اشتغاله وامتلائه من هذه الخصال المذمومة، وان ترقرق له آل الجمع، والتطاول والحرص انشرح به صدره، وانفسح أمره، وقوي ذكره، وزال مابه من الهموم والغموم فيسرع اليها اسراع النجم اذا انقض للرجم، وفتر البتة عن طاعة الله عز وجل. فكل هذا يتولد من اتباع الهوى النفساني من أكله وشربه الذي هو على غير القصد، قال الله عز وجل: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ (189) سورة محمد: 14، 16، سورة القمر: 3.

_ OVY_