الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٦١«التجربة مرآة العقل والغرة ثمرة الجهل وقيل: «من طال عمره نقصت قوة بدنه وزادت قوة عقله»، وقال بعض البلغاء: «كفى بالتجارب تأديبا وبتقلب الأيام عظة». وأنشد في ذلك الشاعر:
ألم تر أن العقل زين لأهله
فهذا
سمي
***
ولكن تمام العقل طول التجارب
العقل المكتسب، وهو نتيجة العقل الغريزي، والله أعلم.
فصل
وقد وصف بعض الحكماء صفة العقل الغريزي، وما كتبته الا تذكرة لمذكر وعظة لمتعظ، وروي في الحديث عن بعض الحكماء أنه قال: «فكرت في المؤمن واحتراسه من عدوه، في سلوك منهج التقوى ومخالفة أوامر الهوى واقتدائه بمحمد المصطفى، أن الله اذا اختص المؤمن بولايته، أكرمه بمحبته، وفهم الناس بمعرفته، وطلب معرفة ربه وعصمته، ورجاء عفوه ورحمته، فيعجز الشيطان عن التطرق اليه بدقائق حيلته ومكره وخديعته، فدلتني الفكرة فيما اعتمدته مني أن مثل المؤمن في الدنيا كمثل مدينة وحولها سور أحاط بها، وقلبه في تلك المدينة كالقصر للملك، والايمان في قلبه كمثل الملك في ذلك القصر، وللملك سرير وهو التوحيد، وله تاج وهو المحبة وله وزير وهو العقل، وله حاجب وهو التقوى، وله صاحب سر وهو العلم، وله نديم وهو الزهد، وله أمين وهو الذكر، وله علم وهو الأس (62)، وله سراج وهو الحكمة، وله سيف وهو الحق، وله درع وهو التوكل، وله رسول وهو الصدق، وله مناد وهو الاقرار، وله سجن وهو الخوف، وله دليل وهو الفراسة، وله ثواب وهو المراقبة، وللمدينة باب وهو الصبر، وتحته حصان وهو الشكر، وله جنود ينصحونه وأصحاب لايخالفونه، فبينما هو في قصره معتكف على أمره ونهيه ان أقبل بعض جماعته المشفقين على مملكته، وقال له: أيها الملك ان الشيطان الرجيم قد أقبل بوجهه عليك في جيش عظيم، فاحترس في قصرك واستعد في مدينتك وانا نظنه اليك غدا واصلا، والى مدينتك نازلا، وبحر بك متأهلا فنادى في جماعته وأهل النصح من خاصته وأعاد عليهم الخطاب وطالبهم بالرأي والجواب، ثم التفت الى الوزير وهو العقل وقال له: بماذا تشير؟ فقال: نحفر حول مدينتنا خندقا من الزهد فانه لباس عدونا يصد، ولكيده يرد فحفروا حفرة بمعاول القلق، وأطلقوا في محاربته دموع (62) كذا في الأصل
-71 -