الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٣الزرع إن هذا أطلق غنمه ليلاً فوقعت في زرعي فأفسدته فلم تبق منه شيئاً، فحكم له داود عليه السلام برقاب الغنم بدلاً للحرث فمرا على ابنه سليمان بن داود عليهما السلام، فقال لهما: كيف قضى بينكما؟ فأخبراه فقال سليمان بن داود عليه السلام: لو وليت أمرهما لقضيت بغير هذا. وقيل: قال غير هذا ارفق بالفريقين. فأخبر بذلك داود عليه السلام فقال له: بحق البنوة والأبوة ألا أخبرتني بالذي هو ارفق بالفريقين؟! قال له: أدفع الغنم إلى صاحب الحرث ينتفع بدرها وصوفها ومنافعها، ويبذر صاحب الغنم لصاحب الحرث مثل حرثه، فإذا صارت (26) الحرث كهيئة يوم أكل، دفعه إلى أهله وأخذ صاحب الغنم غنمه. فقال داود عليه السلام: القضاء
ما قضيت.
وقيل: إن سليمان بن داود عليه السلام، يوم حكم بذلك، كان ابن احدى عشرة سنة فذلك قوله عز وجل: فَفَهَمنَاهَا سُلَيْمَانَ} (27) أي علمناه القضية وألهمناها سليمان. واختلفوا في حكم داود عليه السلام بالاجتهاد أم بالنص: فقال بعضهم: كان حكمه بالاجتهاد. وقال بعض المسلمين: إن حكمه كان بالوحي؛ وأن حكم سليمان عليه السلام كان ناسخا له. وهذا القائل يقول لا يجوز للأنبياء الحكم بالاجتهاد لأنهم مستغنون عنه بالوحي. وقالوا لا يجوز الخطأ على الأنبياء عليهم السلام. وروى صاحب هذا الحديث عن البني .. أنه قال: «إذا حكم الحاكم فاجتهد وأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر» (28) معناه الإجتهاد بطلب (29) الحق لا لخطئه لأن اجتهاده عبادة والإثم في الخطأ عنه موضوع، إذا لم يأل
جهداً.
وليس للحاكم أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر، ولا أن يقر به أكثر منه، ولا أن يحادثه أكثر من صاحبه ولا أن يساره ولا أن يمازحه ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يضيف الخصم اولا خصمه (30) معه. فأول ما ينبغي لمن يلي بالاحكام والنظر في التشاجر بين الأنام أن يمعن نظره في آثار المسلمين ويقمص فكره (31) في أعقاب المسلمين. وليكن، مبينا حليما عاقلا رحيما، متعطفا، سليما، وليساوي بين القوي. والضعيف والوضيع والشريف والرفيع والخفيض والحبيب والبغيض، ولا يغضب
(26) لعل الصواب: صار.
(27) سورة الأنبياء 79.
(28) اخرج الحديث البخاري ومسلم وأبو داود.
(29) لعل الصواب: في طلب.
(30) لعل الصواب: إلا وخصمه معه.
(31) لعل المراد: ويمعن فكره.
13 -