الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٩٥وإغتياله، فضمنوا لهذين مالاً ليسموا الملك في طعامه وشرابه، فأجاباهم إلى ذلك. ثم إن الساقي نكل عنه وقبل الخباز الرشوة قسم الطعام. فلما أحضر الطعام، قال الساقي لا تأكل الطعام، أيها الملك، فإن الطعام مسموم. وقال الخباز لا تشرب إن الشراب مسموم. فقال الملك للساقي: اشرب فشرب: فلم يضره. وقال للخباز كل طعامك فأبى. فجرب ذلك الطعام على دابة فأكلته، فهلكت. فأمر الملك بحبسهما. وكان يوسف عليه السلام حين دخل السجن، جعل ينشد ويقول إنني
من
أعبر الأحلام؛ فقال أحد الفتايين لصاحبه هلم لنجرب هذا العبد العبراني. تركت بقية الرواية لضيق القرطاس. فقال أحدهما، وهو صاحب الشراب: إني أراني أعصِرُ خمراً (51) أي عنباً سمى العنب خمراً باسم مايؤول إليه. يقال يطبخ الآجر أي يطبخ اللبن الآجر. وقيل الخمر العنب بلغة أهل عمان. وذلك أنه قال إني رأيت كأني في بستان، فإذا أنا بأصل حَبَلة (52) عليها ثلاث عناقيد من عنب فجنيتها، وكان كأس الملك بيدي فعصرتها فيه وسقيت الملك فشربه. وقال الخباز الآخر: إِنِّي أَرَاني أحمل فوق رأسي خُبزاً تَأكُلُ الطَّيرُ مِنْهُ (53) وذلك أنه قال: «إني رأيت كان فوق رأسي ثلاث سلال فيها الخبز والألوان من الأطعمة وسباع الطير ينهبن منه لهما يوسف عليه السلام، فقال لصاحب الشراب: {يَا صَاحِبَي السِّجن أمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسقِي رَبَّهُ خَمْراً وَأَمَّا الأخرُ) وهو الخباز (فيُصلَبُ فَتَأكُلُ الطَّيرُ مِن رَأْسِهِ قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهَ تَستَفتِيَانِ .. فقال يوسف عليه السلام لصاحب الشراب:) اذكرني عِندَ رَبِّكَ) (54) أي عند سيدك، وقل له إن في السجن غلاماً محبوساً ظلما، طال حبسه فَأَنسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجن بضعَ سِنِينَ) (55). واختلفوا في البضع فقيل: مابين الثلاث إلى سبع سنين. وقيل: مابين الثلاث إلى التسع. وكذلك بين القول هاهنا البضع سبع سنين. وكان سبب نسيان صاحب الشراب اذكار يوسف لما قال له اذكرني عند ربك. فقيل له: يايوسف اتخذت من دوني وكيلا لأطيل حبسك، فبكي يوسف عليه السلام، وقال: يارب أنسى قلبي كثرة البلوى. وقيل غير ذلك. فلبث في السجن بضع سنين إلى أن رأى الملك رؤياه. تركت أكثر
(51) سورة يوسف 36. (52) الحبلة: شجرة العنب. (53) سورة يوسف 36.
(54) سورة يوسف 41.
(55) سورة يوسف 42.
- 190 -