الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٣٨وقبل وبعد، فينبغي أن تعلموا أن هذه الطائفة في حفظ ظاهر هذه الأخبار، لا يقال :إنها بنت قصراً، أو هدمت مصراً، بل هدمت الكعبة، واستوطنت البيعة، وحذار أن تنشئوا معهم دليلاً، ولا تستأنفوا معهم من الكلام نقيراً ولا فتيلاً، فليسوا لذلك أهلاً، ولا ينجع فيهم أن ينشر ذلك معهم، إلا أن تدخل إليهم من بابهم، وهو أيسر طريق إليهم في الكشف لضلالهم ولا تلتزم معهم مذهباً إلا أن تبطل رأيهم، ولا يظهر لك اعتقاد إلا رد الكلام إلى القرآن والسنة، وما أجمعت عليه هذه الأمة، وهم قد خالفوا الكل، فالمهم إفساد مقالتهم وبيان ضلالتهم، فيقال لهم : ما لكم أصحاب إلا اليهود … .
.. ثم نعطف عنان القول فنقول : قوله : ﴿ هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة ﴾ وأنتم قد قلتم : إنه أكبر من العرش مقداراً، كيف يشتمل عليه ظل الغمام؟ وكيف يأتي الحق مع الخلق يوم الفصل أو يأتي البنيان وهو أكبر من العرش، والعرش أكبر من السماوات والأرض؟
.. فلما قال : ﴿ الرحمن على العرش استوى ﴾ كان معناها هنا في المطلوب ثلاثة معان : معنى الرحمن، ومعنى استوى، ومعنى العرش، فأما الرحمن فمعلوم لا خلاف فيه ولا كلام. وأما العرش فهو في العربية لمعان فأيها تريدون، وكذا استوى عليه، يحتمل خمسة عشر معنى في اللغة، فأيها تريدون؟ … ولم قلتم : إن معنى استوى، قعد أو جلس؟ فتحكمون باتصاله به، ثم تقولون إنه أكبر منه من غير ظاهر، ولم يكن عظيماً بقدر جسمي حتى تقولوا : إنه أكثر أجزاء منه. ثم تحكمكم بأنه أكبر منه بأربع أصابع، تحكم لا معنى له، وكنت أقضي عجباً من هذه النازلة … "(1)
نكتفي بهذا القدر من قول ابن العربي وفيه الكفاية لدحض قول دعاة الحشوية الذين ينسبون أنفسهم إلى أهل السنة زوراً وكذباً وبهتاناً.
(1) النص الكامل لكتاب العواصم من القواصم، تحقيق الدكتور عمار طالبي، ص 208 -214. وكذلك اقرأ ما سطره ابن العربي في نفس الكتاب من ص220 إلى ص 231.