الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٥6 - وقال أيضاً: " إن فحول المؤرخين في الإسلام قد استوعبوا أخبار الأيام وجمعوها.. وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها.. فالتحقيق قليل.. "(1)
حينما قرأت قول ابن خلدون ".. وخلطها المتطفلون بدسائس من الباطل وهموا فيها وابتدعوها.." تمنيت أن أجد دليلاً على هذا القول مبثوثاً في صفحات مقدمته ولكن في أثناء تجميعي لمادة هذا البحث أدركت ما يشير إليه ابن خلدون وعرفت بعضاً من الأشخاص الذين يعنيهم بقوله هذا، كما سترى أيها القارئ الكريم صدق ذلك في صفحات هذا البحث إن شاء الله تعالى.
من النصوص السابقة التي اقتطفناها لك أيها القارئ من مقدمة ابن خلدون تعرف منهج الكاتب وطريقته في دراسة التاريخ؛ فهو يحدد المواصفات والموازين للروايات والأخبار قبل أن يصح تقبلها والعمل بها. ولكنه حينما تكلم عن أهل النهروان والإباضية خاصة لم يطبق مبدأه هذا بل أخذ بأقوال السابقين له بلا تمحيص أو تمييز فقد قال في مقدمته ما نصه : ".. وشذ بمثل ذلك الخوارج(2) ولم يحتفل الجمهور بمذاهبهم بل أوسعوها جانب الإنكار والقدح، فلا نعرف شيئاً من مذاهبهم ولا نروي كتبهم(3) ولا أثر لشيء منها إلا في مواطنهم."(4)
(1) المرجع السابق، ص 6
(2) قرن ابن خلدون ذكر الإباضية بذكر الخوارج في عدة مواضع من تاريخه حيث قال:
? … ".. وكانوا يدينون بدين الإباضية من الخوارج.. " ( ج6/ص150)
? … " ولما سرى دين الخارجية في البربر أخذوا برأي الإباضية ودانوا به وانتحلوه.. "( ج6/ص158 )
(3) من المعلوم أن الأزارقة والنجدات لم يخلفوا كتاباً واحداً، والكتب التي أشار إليها ابن خلدون هنا إنما هي كتب الإباضية التي انتشرت في مواطنهم ببلاد المغرب والمشرق.
(4) تاريخ ابن خلدون، المقدمة ص 564