الإباضية ومنهجية البحث عند المؤرخين وأصحاب المقالات للحجري
الجزء ١ · صفحة ١٥٧إن الذي لمسناه من أخبار تلك الأحداث هو أن الحرب التي جرت بين الإمام علي -كرم الله وجهه- وأهل الجمل وأهل الشام كان أساسها ومبدؤها ترسيخ قوائم الخلافة في أرض الخلافة، لهذا وجد أهل النهروان أنفسهم ملزمين بالوفاء للخليفة فباعوا نفوسهم الغالية لما هو أبقى وأغلى منها. ولكنهم حينما رأوا الخليفة يتنازل عن مكانه السامق الذي قدموا لأجله أرواحهم الزكية ودماءهم العطرة ما كان منهم إلا أن يطالبوا الإمام علياً بالاستمرار على ما كان عليه كما وضحت ذلك رواية الإمام أحمد السابقة. فلو كان أحد أركان الصلح هو استسلام معاوية لأمر الإمام علي -كرم الله وجهه- لكان أهل النهروان أول الناس قبولاً ورضاءً ولكان ذلك مرغوباً فيه من قِبَلهم. ولكنهم عرفوا أن محاولة معاوية وعمرو بن العاص في إيقاف الحرب ليس معناه الاستسلام للإمام علي -كرم الله وجهه- وتفويض الأمر إليه، بل كانت تلك المحاولة هي لأجل الخروج من المأزق الذي آل إليه جيش معاوية حين ظهرت علامات الهزيمة تدب في صفوف أهل الشام.
فمنذ أن قُبلت شروط الحكومة من قِبَل الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية، لم يكن هناك خليفة(1) بالمعنى الشرعي على كافة المسلمين، إذ أصبح الإمام علي -كرم الله وجهه- ومعاوية في منزلة واحدة في محكمة عمرو بن العاص وأبي موسى الأشعري،وصار مصير الخلافة مرهوناً بلباقة وذكاء واختيار وشروط أحد الحكمين.
فقد أورد البلاذري(2) :
(1) قال الشيخ السالمي - رحمه الله - " فاعتزلوه بعد أن خلع نفسه بتحكيم الرجال في إمامته وهو يظن أن الأمر باق في يده وهيهات.. فقد أعطى العهود والمواثيق على قبول حكم الرجلين.. " ( انظر تحفة الأعيان ج1/ص80 )
(2) انظر أنساب الأشراف، ج3/ص119-120)