القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٢الإباضية والمالكية في الغرب الإسلامي
وكثير من هذه الأحكام الجائرة في حق الإباضية صدرت من شخصيات علمية لم يتح لها الإطلاع على كتبهم أو معايشتهم ومعاشرتهم، أما من توفر له هذا الحظ اكتشف أن الإباضيَّة بعيدون جدًّا عن ما قيل فيهم، من بين هؤلاء مؤرخ الدولة الرستمية ابن الصغير مالكي المذهب وقيل: شيعي، حينما وصف التسامح المذهبي في الدولة الرستمية بقوله: «ليس أحد ينزل بهم من الغرباء إلا استوطن معهم وابتنى بين أظهرهم، لما يرى من رخاء البلد وحسن سيرة إمامه وعدله في رعيته وأمانة على نفسه وماله، حتى لا ترى دارًا إلا قيل هذه لفلان الكوفي، وهذه لفلان البصري، وهذه لفلان القروي، وهذا مسجد القرويين، ورحبتهم، وهذا مسجد البصريين، وهذا مسجد الكوفيين … » (1). في حين ظل عدد من المؤرخين الذين تعرفوا على بعض معتقدات الإباضية وفقههم بطريقة غير مباشرة يردد عبارة قربهم من أهل السُّنة كالمبرد في الكامل: قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة» (2)، وابن حزم وأقرب فرق الخوارج إلى أهل السنة أصحاب عبد الله بن يزيد الأباضي الفزازي الكوفي» (3)، وابن خلدون: «وقول هؤلاء أقرب إلى
السنة (4).
أما في العصر الحديث فإن جل الكتاب الذين زاروا أوطان الإباضية والتقوا بعلمائهم تغيرت نظرتهم تماما، وتصححت أفكارهم وخاصة مالكية الغرب الإسلامي الذين كتبوا في رسائلهم وكتبهم ثناء عطرًا على الإباضية، يقول الدكتور التونسي المالكي عبد العزيز المجدوب الذي اعتبر الإباضية
(1) أخبار الأئمة الرستميين، ص 36. (2) الكامل في الأدب (214/ 2).
(3) الفصل في الملل والأهواء والنحل (89/ 2)، وسيأتي معنا أن ابن حزم لم تكن معرفته بالإباضية منضبطة أو دقيقة وإنما كان يعرف فرقة منهم تسمى النكارية.
(4) تاريخ ابن خلدون (145/ 3).