القسم الأول
الجزء ١ · صفحة ٧٣المبحث الأول: المذهب الإباضي
73
مذهبًا سُنّيا خامسًا: «وأبرز ما يتصف به الإباضيون تمسكهم الشديد بالدين، بأداء فروضه وتجنب نواهيه - إلى حد الغلو - وبغضهم المفرط لأصحاب الظلم والفساد، وبفضل هاتين الصفتين استطاعوا أن يحققوا لأنفسهم عزا دينيا، ومجدا سياسيا، خلد ذكرهم في التاريخ»، وقال أيضا: «حافظوا على صفاء الرسالة المحمدية في أصول مذهبهم، ولم ينحرفوا عن النهج القويم الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصحابته البررة في سلوكهم وأمور، معاشهم ولا اقترف ولاتهم إثما، ولا مارسوا في قيادتهم ظلما، ولا أي لون من ألوان العسف التي لم يبرأ منها إلا القليل من الولاة سواهم. بل إن الظلم في حقهم كان مستحيلا، لا لكونهم معصومين، بل لأن رجل الدين عندهم ورجل السياسة واحد، والقائم بأمر الناس فيهم هو الإمام نفسه، وتلك هي قاعدة الإسلام في الحكم التي سار عليها الخلفاء الراشدون وعليها حافظوا ودونها نافحوا فمن الطبيعي أن ينتشر مذهب هذا شأنه، وأن يُقبل على أتباعه الناس ببلاد المغرب ليجدوا في أكنافه الأمن والكرامة، وهم من سئموا حياة الاضطراب والظلم على أيدي الكثير من عمال بني أمية وبني العباس (1).
وليس الدكتور المجدوب هو من عدهم مذهبًا سُنيا خامسا بل توالت على ذلك كتابات عدة من بينها ما قاله العلامة الجليل حسن السندوبي محقق البيان والتبيين للجاحظ، قال في حاشية الجزء الثاني: «المذهب الإباضي - وأهل هذا المذهب من أفاضل القبلة وممن ينفرون من البدع التي ليست من الدين في شيء، ومن هنا يتهمهم بعض المسلمين بالتشدد وبعدم مسايرتهم للتقدم بل يرمونهم بما هم منه براء، وقد كنت خدعت بقول
(1) الصراع المذهبي بأفريقية إلى قيام الدولة الزبيرية، الأستاذ عبد العزيز المجدوب، دار ابن حزم للطباعة والنشر - بيروت، ط 1: 1429 هـ / 2008 م، ص 104.