كتاب النيل وشفاء العليل عبد العزيز بن إبراهيم بن عبد الله الثميني، الملقَّب بـ «ضياء الدين»

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٢١

فاختفى شبح الدين، وديست حرمة القيم الروحية، وازور الناس عن العلم مكتفين بما توارثوه من عادات وتقاليد، فكثرت البدع، وتولى الحكم رؤساء جهلة متعصبون، الأمر الذي جعل مهمة الذين يتصدون لتصحيح العقيدة ونشر العلم، وحمل الجماهير على إقامة الدين، وتحكيمه في فصل قضاياهم - شاقة - وحملهم ثقيلاً، فشعر إزاء هذه الحالة بوجوب تصديه لاصلاحها. أخذت هذه الفكرة تتحرك في قرارة نفسه وتعمل عملها الباطني، فتحقق

أن الوسيلة الوحيدة التي تبلغه غايته هو العلم، فأصبح شغله الشاغل يقظة ومناما. فكانت رؤياه المشهورة التي ما انفكت تعاوده وتقلقه، كما حكاه عن نفسه في مقدمة كتابه «تعاظم الموجين، شرح مرج البحرين» وصادف إذ ذاك عودة عالم جليل من الشرق هو الشيخ أبو زكرياء يحي بن صالح، فالتحق به ولازم حلقته، فلم يلبث أن ظهر نبوغه، ولم ينفك يطوي مراحل العلم طيا، وينهل من منقوله ومعقوله ويعل، حتى تأهل للتأليف وشيخه على قيد الحياة: ألف كتابه «النيل» وعرضه عليه كما سبقت الاشارة الى ذلك خاض الى جانب شيخه غمار وسط مزقت وحدته الفتن الداخلية والمنازعات القبلية، وساده سلطان الهوى فظل الصراع فيه عنيفاً بين أنصار الحق وأنصار الباطل، فتجرع من ذلك الأمرين وأوذي في الله كثيرا، سيما لما ظهرت شخصيته، فقد تفاقم عليه الأمر وقسا الامتحان، وطالت المعركة فلم تزده المحنة كالابريز إلا صفاء ولمعاناً، ووقف لخصوم الحق كالشجا يعترض مدارج أنفاسهم، فكانوا لحنقهم عليه يلقبونه بـ «تيس المجزرة» لطول لحيته وقرب مسكنه منها.

اشتهرت في أيامه عادات فاسدة، كعدم احتجاب المرأة من احمائها،

13