الجزء الثاني
الجزء ٣ · صفحة ١٧٤معارج الآمال - الجزء الثاني
احْتَجَّ مَن مَنع ذَلِكَ للمحدث من بول أو غائط أو غَيْرِهِما من النجاساتِ حَتَّى يَغسل النجس عنه بقياس المُحْدِث في هذه الحالة عَلَى الجنب بجامع أن كلّاً منهما طاهر البدن إِلَّا مَوْضِع النجاسة. وَإِنَّمَا أجازوا لَه القِرَاءَة بعد غسل النجس قبل الوُضُوء؛ لأنَّهم لَمْ يَشترطوا للقراءة الطَّهَارَة التي يشترطونَها للصلاة، وَإِنَّمَا يَشترطون نفس التَّطَهر من
الأحداث.
وَيَلزمهم أن يُجَوِّزوا القِرَاءَة للجنب إذا غسل النجس عن جسده؛ لأنَّه طاهر الجَسَد كالمُحْدِث إذا غسل النجس عن جسده وإلا فسد القياس، عَلَى أن الجُنب لَمْ يُمنع من القِرَاءَةِ لِنفس التلبس بالنجس بل منعه عبادة فلا يَصِحَ قياس غَيْره عَلَيْهِ إِذ لَمْ يعقل معنى المَنْعِ.
سَلَّمْنَا أن المَنْع لتعظيم القُرْآن فنفس التعظيم الذي يثبت لأجل المَنْعِ غَيْر متعين بِمَعْنَى أَنَّهُ لا ندري الحالة التي تقدح في التعظيم، والحالة التي لا تقدح إلا بتوقيف من الشارع، وهذا كما ترى مانع لقياس المُحْدِث عَلَى الجنب، فهو / 134 / ناقض لقياس المانعين أيضاً، وَاللَّهُ أَعلَم.
وَأَمَّا مَن أجاز الآية والآيتين: فلَعَلَّه نَظر إلى قول من لَمْ يُجز في الصَّلَاة بقراءة أَقَلَّ مِن ثلاث آيات، وذَلِكَ أَنَّهُ رأى أن ما دون الثلاث
الآيات لا تُجزئ بها الصَّلَاة، فلا تُعْطَى في منع القِرَاءَة حكم القُرْآن.
والصواب: أَنَّهُ لا يَجُوز في الآية والآيتين إِلَّا ما يَجُوز في سائر القُرْآن إِلَّا لأجل، الضرورة، وأن عدم الاجتزاء بهما في الصَّلاة لا يسلبهما شيئاً من أَحْكَام القُرْآن وَاللهُ أَعلم.