المقدمات
الجزء ١ · صفحة ١٦١مسائل النية
161
وكانَ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: طلبُ العِلم فَريضَة على كُلِّ مُسلِم، ووَاضِعُ العِلم عندَ غَير أهلِه كَمُقلِّدِ الخنازيرِ الجَوهَر واللؤلؤ والذهب، وهذا الحَدِيث يَدُلُّ على تحريم بذلِ العِلم لِمَنْ لَم يَكُن مِن أهله، فَلَا يَجُوزُ أن يُبذَلُ العِلم لِمَنْ عُلِمَ منه أَنَّهُ يَطلُبُ به شرفاً في الدنيا، أو منزلة مِنَ السلطان، أو جاهاً في الناس، أو يكتسب به مالاً، إلى غَير ذَلِكَ مِن المقاصد الفاسدة، ومن ثَمَّ كَانَ السلفُ - رحمهم الله - يَردُّونَ السائلَ مِراراً ولَا يَبذلون له العِلم من أَوَّلِ مَرَّةٍ اختباراً لِحَالِهِ، مَخافَة أَن يُضيِّعُوا الحكمة التي أمرهم الله بِصَونِهَا، فإِذَا عَرفُوا مِنه صدقَ الطلب وأهليَّةِ البذلِ بَسطُوا لَه فِي ذَلِكَ، وأدُّوا إِلَيْهِ الأمانة التي أمرهُم الله بأدائها. والأحاديثُ في فَضْلُ العِلم كثيرةٌ يَضِيقُ المَقَامِ عَن استقصائها. واستدل القطب على فَضْل العِلم والتعليم بِقَولِهِ تَعَالَى: {فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لَيَتَفَقَهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ) (2)، قال: والآية دليلٌ على عِظم العِلم والتعليم، إذ جُعِلَا في مُقابَلَة الجهادِ، بَل هُمَا أفَضْلُ، إذ بهما يُعرفُ الجهاد ويحيى الدين لِمَنْ بَعْد، بل هُمَا الجهادُ الأكبر؛ لأنَّ الأصل في الجهادِ هُو الجدال بالحجَّةَ، وَإِنَّمَا يَعْدِلُ عَنه إلى الجهادِ بالسيفِ عِند المُكابرَةِ / 35/ والعنادِ، انتهى وَالله أعلم.
(1) رواه ابن ماجه عن أنس بن مالك بلفظه كتاب (1) السنة، باب (17) فضل العلماء والحث على طلب العلم، ر 244، ص 34. وأخرجه حمزة بن يوسف الجرجاني: تاريخ
جرجان، عنه أيضاً بلفظه، ر 555، 316/ 1.
(2) سورة التوبة، الآية: 122