الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٨48
معارج الأمال - الجزء الثالث
المسألة الثانية
في وقت افتراض الوضوء للصلاة
نقل ابن عبد البَرِّ اتِّفَاق أهل السير عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ صلى الله عليه وسلم قَطُّ إِلَّا بوضُوءٍ، قَالَ: وهَذَا مِمَّا لا يجهله عالِم، ويُوافقه ظاهر ما جاء: «أَتَانِي جبريل فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إِلَيَّ فَعلَّمَنِي الوُضُوءَ والصَّلَاةَ، فَلَمَّا فَرغَ الوُضُوء أَخذَ غَرفَةٌ من المَاءِ فَنضَحَ بِها فَرجَهُ (أي: رشّ بِها فرجه أي مَحَلَّ الفرج من الإنسَانِ)» (1)، وبذَلِكَ استدلَّ عَلَى أَنَّهُ يُستَحَبُّ لِمن استنجى بالماء أن يأخذ بعد الاستنجاء كفّاً من ماء ويرش ثيابه التي تُحاذِي فَرجه، حَتَّى إذا خُيّل له أن شيئاً خرج ووجد بللاً قدر أَنَّهُ ذَلكَ المَاء.
من
وروي: أن جبريل بدا له في أحسن صورة وأطيب رائحة، فَقَالَ له يا مُحَمَّد، إِنَّ الله يقرئك السلام ويَقُولُ لك: «أَنْتَ رَسُولُ اللَّه إِلَى الجِنِّ وَالإِنسِ، فَادعُهُم إِلَى قَولِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ثُمَّ ضَربَ بِرِجْلِهِ الأَرضَ فَنَبَعَت عَينُ مَاءٍ فَتَوَضَّأَ مِنها جِبريلُ ثُمَّ أَمَرَه أَن يَتَوَضَّأَ، وَقَامَ جِبْرِيلُ يُصَلِّي وَأَمرَهُ أَن يُصَلِّيَ مَعه، فَعَلَّمَهُ الوُضُوءَ وَالصَّلَاةَ … » (2) الحَدِيث.
وبحث فيه بأن قول جِبْرِيل المَذْكُور إِنَّمَا كَانَ عِنْدَ أمره بإظهار الدعوة والمفاجاة بها إلى الله تَعَالَى بعد فترة / 43/ الوحي، فالجمع بينه وبين قوله: «ثُمَّ ضَرَبَ برجلِلهِ الأرضَ لا يَحسن؛ لأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يوم نزوله بـ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ، ولَعَلَّهُ مِن تَصرُّف بعض الرواة، والله أعلم.
(1) رواه أحمد، عن زيد بن حارثة بلفظ قريب (17026، 161/ 4. والطبراني في الكبير، عن زيد بمعناه ر 4657، 85/ 5
(2)
أحمد روي معنى بعضه عن زيد بن حارثة (17026، 161/ 4. وعبد بن حميد في مسنده، مثله، ر 283، 118/ 1.