الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٦٧كتاب الصلاة
67
وَلَعَلَّ حُجَّته أن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم لَمْ ينكر عَلَى المنافقين بنيانهم لِمَسْجِد
الضرار حين جاءوه عِنْدَ ذهابه لغزوة تبوك، فَقَالُوا: يا رَسُول الله، بنينا مَسْجِداً لذي العلة والليلة الممطرة والشاتية، ونحن نُحِبُّ أن تصلي فيه وتدعو لنا بالبركة، فَقَالَ: إِنِّي عَلَى جناح سَفَرٍ، وَإِذَا قَدِمتُ ـ إِن شَاء الله - صَلَّينَا فِيه» (1)، فما أنكر عَلَيْهم البناء لما اعتلوا به من الأعذار، بل
وعدهم بالصَّلَاة فيه حَتَّى نزل النهي من السماء بعد رجوعه من الغزوة فأمر بهدمه وتخريبه.
وقِيلَ: بجوازه مطلقاً ما لَمْ يرد ضرار للمَسْجِد الأول.
فهَذه أربعة أقوال أرخصها القول الآخِر، ولا أعرف له حجة إلَّا أن الأحاديث الواردة في فضل بناء المساجد، ولعمري أن
يتمسك قائله
بعموم
ذلِكَ العموم مخصص فلا يصح إبقاؤه عَلَى ظاهره، إذ لو جاز ذَلِكَ للزم أن يَجُوز بناء المَسَاجِد عَلَى عدد البيوت في القرية ولا قائل بذَلِكَ، وما هو إلا منكر لو فعله أهل قرية وجب الإنكار عَلَيْهم، ولا يسمع تعللهم بأنهم لَمْ يريدوا ضراراً، والله أعلم.
الأمر الثامن في بيان أفضل المَسَاجِد
وقد انطبقت كلمة العلماء على أن أفضل مساجد الأرض ثلاثة: المَسْجِد الحَرَامِ والمَسْجِد / 62 / الأقصى وهو البيت المقدَّس، ومَسْجِد رَسُول الله صلى الله عليه وسلم. ويدلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوله صلى الله عليه وسلم: «لَا تُشَدُّ الرحالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَة
(1) رواه الطبري في تفسيره، عن الزهري وغيره بمعناه مرسلاً، وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارا [سورة التوبة، الآية: 107]، 23/ 11