معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

المقدمات

الجزء ١ · صفحة ٢٠٠

معارج الآمال

وأَقُول: لَا بُدَّ مِن اعتبارِ الإنباتِ أَن يَكونَ في وَقتٍ يَبْلُغَ مِثله الصبي؛ فلو وُجدت عَشر شَعرَات سودٍ أَو مَائَةٍ شَعرَة مثلاً في عَانة ابن سنتين أو ثلاث سنين لَا يُحكَم بِبلوغه، اللهُمَّ إِلَّا أَن يَنشأ نشأة خارقة للعادة، ويَكُون في ذَلِكَ الوقتِ بِمنزِلَة مَن يَبْلُغَ مِثله، لَكِن لَا عِبرَة

بالنادر.

والأصل في الإنباتِ: حَدِيث بَنِي قُريظة حين حَكَم سَعد بن مُعَاذ الأنصارِي أَن يَكشِفَ عَن الأطفالِ، فَمَن أَنبَتَ مِنْهُمْ قُتِل، ومَن لَمْ يُنبِت سُبِي، فكانَ مُحَمَّد بن كَعب القرظي مِمَّن لَمْ يُنبت فتركه فِيمَا قِيلَ، وَالله أعلم. واعترض هَذَا الاستدلال بوجوه:

أَحَدَهَا: أَنَّ هَذَا الحَدِيث مُعارض لقَولِهِ: وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُر (1)، ولِحَدِيث: رُفِعَ القلمُ عَن ثَلَاثَةِ - ذكر مِنْهم ـ الصبيُّ حَتَّى يحتلم» (2)، فَالآيةُ والحَدِيثُ دَالَّان على أَنَّ البُلُوغَ بِالاحتلام، وحَدِيث بَني قُرِيظَة مُعارض لَهُما

وثَانِيهَا: أَنَّ حَدِيث بنِي قُريظَة مُختلِفُ الألفاظ، في بَعْضِهَا أَنَّه أَمَرَ بِقَتل مَن جَرت عَلَيهِ الموسى، وَفي بَعْضِها من اخضر عذاره (3)، ومَعلُوم أَنَّه لا يَبلُغ هَذَا الحال إِلَّا وقد تَقَدَّمَ بلوغه، ولا يَكُون قد جرت عَلَيها الموسى

إِلَّا وَهُوَ رَجلٌ كَبير.

(1) سورة النور، الآية: 58

(2) رواه أبو داود عن علي، كتاب الحدود، باب في المجنون يسرق أو يصيب حداً، ر 4403، 141/ 4. والنسائي عن عائشة، كتاب (27) الطلاق، باب (21) من لا يقع طلاقه، ر 3432، 156/ 6.

(3) العذار: ما كان على الخدين من كي أو كدح طولاً. انظر: العين، (عذر).