الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٣٠٦306
معارج الآمال - الجزء الثالث
وقد أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَكَة {حَرَمًا عَامِنَا (1) بنص الآيات القُرآنِيَّة
والأَحَادِيث النبوية.
ثُمَّ اخْتَلَفوا هل كانت آمنة مُحرَّمة قبل دعوة إبراهيم، أو إنَّما
صارت كَذلِك بدعوته؟
فقال قائلون: إنَّها كانت كَذَلِكَ أبداً لقوله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ مَكَّة
يَومَ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرضَ.
وَأَيضاً: قال إبراهيم: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْنِكَ الْمُحَرَم (2)، وهذا يقتضي أنَّها كانت مُحرَّمة قبل ذلك، ثُمَّ إِنَّ إبراهيم و أحده بِهَذَا الدعاء.
وقال آخرون: إنَّها إِنَّما صارت حرماً آمناً بدعاء إبراهيم، وقبله
گانت كسائر البلاد.
والدليل / 312/ عَلَيْهِ قوله: «اللَّهمَّ إِنِّي حَرَّمتُ الْمَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ
إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ».
وَقِيلَ: إنَّها كانت حراماً قبل الدعوة بوجه غير الوجه الذي صارت به حراماً بعد الدعوة؛ فالأَوَّل: يمنع الله تَعَالَى من الاصطلام (3) وبما جعل
في النفوس من التعظيم والثاني بالأمر عَلَى ألسنة الرسل.
(1) سورة العنكبوت، الآية: 67.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 37.
(3) الاصطلام من الصلم وهو القطع من الأصل. يقال: اصطلمهم الدهر أو الموت: إذا استأصلهم وأبادهم من أصلهم انظر العين والمعجم الوسيط (صلم).