الجزء الثالث
الجزء ٤ · صفحة ٤٣٧كتاب الصلاة
437
قُلتُ: يُمكن امتثال السعي من غير نداء، وما يُمكن امتثال الواجب
بدونه فليس بواجب.
وَأَما قوله للرجلين: «فَأَذْنَا وَأَقيما فمحمول عَلَى الندب لما ثبت من جواز صلاة الرجل بمن هو أكبر منه، ولا معنى لحمل بعض الحَدِيث عَلَى الندب وبعضه عَلَى الوجوب.
لناد
وَأَمَّا حديث أنس: فهو أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم إِنَّما أخر الإغارة إلى سَمَاع الأَذَانِ يغير على قوم مؤمنين مع اختلاط الناس فليست / 448/ الإغارَة عَلَى ترك الأذان، وَإِنَّما هي عَلَى ترك الإسلام، والأذان علامة تُميّز بين الفريقين، وفيه أنَّ يقال: إذا كان ترك الأذان ذريعة إلى سفك دمائهم وسبي ذراريهم فالواجب عَلَيْهِم أن يُؤَذِّنوا فيدلّ الحَدِيث عَلَى وجوبه. وَيُجَاب: بأنَّ الكلام في حكم الأذان عَلَى الإطلاق لا حيث يكون
تركه ذريعة لذلك، وَاللهُ أَعْلَم. وهذه مناقشات نظرية في هذه الأدِلَّة مع أني أقول بوجوب الأذان عَلَى الكفاية كما هو مذهب الأصحَاب؛ لأنَّ تركه مطلقاً يفضي إلى انطماس معالم الدين وشعار الإسلام، وما أفضى تركه إلى ذلك فلا شك في وجوبه، وَاللهُ أَعْلَم.
احْتَجَّ القائلون: بأنَّهما سُنتان غير واجبتين: بما روي أنَّهُ عَليه الصلاة
والسلام أمر بلالاً بالأذان في السفر مَرَّة وتركه مَرَّة.
والجَوَاب: أنَّ هذه الرواية معارضة بما مرَّ وهو أقوى منها، عَلَى أَنَّهُ يَحتمل أَن يَكُون ما ورد من ترك ذلك قبل وجوب الأذان؛ لأنَّ الأحكام نزلت شيئاً فشيئاً عَلَى حسب ما تقتضيه الحِكْمَة.