المقدمات
الجزء ١ · صفحة ٢١٦216
معارج الآمال
وَأُجِيب: بأنَّا لَمْ تُكلَّف مِن ذَلِكَ ما لَا نُطيقه، أَلَا تَرى إلى قوله تَعَالَى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةُ﴾ (1).، فالاستطاعة المنفيَّة عنَّا غَير مُكلَّفين بِهَا، وَإِنَّمَا أُمِرنَا بِمَا نَستَطِيعُ مِن ذَلِكَ، وَهُوَ قَولُهُ: {فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَالمنفي غَير المأمور به، بل العدلُ المأمورُ به عَينُ الاستطاعة، وهذه الآية كما أَنَّهَا دليلٌ عندهُم على جواز التكليفِ بِما لا يُطاقُ هِي حَجَّةٌ مَعهم على وقوعه كَمَا تَرَى، وَالجَوابُ ما تَقَدَّمَ.
ورابعها: قَولُهُ تَعَالَى للملائكة: أَنْبِتُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (2) قالوا: فقَد كلَّفهم الإخبارَ مَا كَانُوا غَير مُستَطِيعِين، وذَلِكَ يُوجِب تكليف ما لَا يُطاق.
مِثْلِهِ
وَأُجِيب: بأنَّ الأَمْرَها هُنا لَيسَ للوجوبِ، وَإِنَّمَا هُو للإعجازِ، نَظير: قوله تَعَالَى: {وَقُل كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا * أَوْ خَلْقَا مِّمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ وقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِن مِثْلِهِ﴾ (4)، وقوله: {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مُفْتَرَيَت (5)، وقوله: {قُلْ هَاتُوا بُرْهَنَكُمْ إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ (6) فلو سَلَّمنا أَنَّ الأَمْرَ للوجوب فقد عَلَّق الله ذَلِكَ بِقَولِهِ: إِن كُنتُمْ صَدِقِينَ، فالأَمْرُ إِنَّمَا هُو مُعلَّق بكونهم إن كَانُوا صادقين في ذَلِكَ، وإِذا لَمْ يَقع الشرط لَمْ يَقع المشروط، أَلَا تَرى أَنَّهُ إِذَا
قالَ: «قم إن كنتَ قادراً على
(1) سورة النساء، الآية: 129
(2) سورة البقرة، الآية: 31
(3) سورة الإسراء، الآيتان: 50 - 51.
(4) سورة البقرة، الآية: 23.
(5) سورة هود، الآية: 13.
(6) سورة النمل، الآية: 64.